|
جماهير الكرة.. ومبادرة جديدة لوقف العنف بقلم/ إسماعيل أحمد
لماذا يتصاعد العنف كلما تتابع الزمان كأنه من علامات الساعة، فقد يدهشك اليوم ما تراه من شجارٍ عنيف في الشوارع والأسواق.. لكن الأغرب أن يأتي هذا العنف في أماكن أخرى لا يليق بها الغضب والجنون لأنها أقيمت للمتعة والتسلية.
وقد كان غريباً أن ترى مباراةً في أحد ملاعب الإسكندرية وكان أحد الفريقين مهدداً بالهبوط.. وما إن سكنت الكرة شباكه لتبدد حلم النجاة من الهبوط حتى ثارت جماهيره وبدأوا في حملة عنيفة لتكسير مقاعد المدرج.. ولم يظنوا أنهم سيلاقون رد فعلٍ كهذا.
فقد فوجئوا بردٍ سريع وحاسم على الهواء مباشرة من قوات الشرطة المكلفة بالحراسة.. فرأينا على شاشات التلفاز عشرات الشاويشية والمخبرين يحاصرون أولئك الثائرين ويقبضون على أقفيتهم ويلاحقونهم بالصفعات.. وبعضهم كان يرسل ضحاياه بالبريد السريع عبر المقاعد فيجد المشجع نفسه طائرا أو متدحرجا عبر المقاعد المصفوفة مباشرة أسفل المدرج بعد أن كان واقفا منذ لحظات في أعلاه مع استمرار الصفعات والركلات طوال المسافة من أعلى المدرج لأسفله.
ولحسن الحظ لم يكن الصوت مسموعاً لأن نقل الكلام في هذه المناسبة سيكون أكبر أثرا وأشد فحشا.
بنفس المشهد وعلى نفس الملعب تكرر الضرب العلني عقب انتهاء مباراة في كأس مصر بعدما فاز صاحب الملعب فكافأوا المهزوم بتلك الطريقة الرياضية.
ثم اختتم عنف الملاعب باشتباكٍ أكبر في ملعب كفر الشيخ.. ولحسن الحظ لم يكن المشهد مذاعاً على الهواء.. وإن كانت كاميرات قناة الأهلي قد سجلت المباراة والأحداث.
هذه المرة كانت الإصابات بين الطرفين "الشرطة وجمهور الأهلي" كبيرة حتى قيل أن19 مصاباً من ضباط وجنود الأمن بخلاف الجماهير.
ولولا البرامج التحليلية التي تتناول الأسباب الفنية للفوز والهزيمة (ولم يكونوا يقصدون نقل هذا المشهد التراجيدي) لما أذيعت تلك الفضائح.
ولولا أن عرج عليها أحد الضيوف لوجدنا من يبرر الحدث بأن المخرج ابن الإيه يسجل المباريات على الأشرطة القديمة.. وأن هذا الشريط كان مسجلاً عليه فيلم الكرنك.
لم يعد الأمر الآن في الأماكن المغلقة، ولا في شوارع القاهرة.. بل على البث الفضائي لترى الدنيا كلها وتسمع.
لكن تعليق الضيف أثبت أن ما نراه قد وقع فعلا في مدرجات أحد ملاعب الكرة.. وأن المضروبين البؤساء لم يكونوا في تشكيل عصابي ولا تابعين لمنظمة إرهابية.. بل جمهور كرة غضب واحتج لدخول هدف في مرمى فريقه.
صحيح هم من "الحرافيش" أو "ولاد الإيه"، الذين يفضلون التعامل بهذا الأسلوب في مختلف الجهات الحكومية، وغير الحكومية، ومن المعتاد جدا أن ترى مثل هذا في الطريق العام أو في الأقسام أو في المخابز البلدية أو مواقف السيارات العامة.. لكننا كنا "كافيين على الخبر ماجور" وساكتين.
ولأن البعض يعتقد - كما كان أحد المخبرين يواسينا - بأن ضرب الحكومة مش عيب، باعتبار المثل القائل أن "ضرب الحبيب أحلى من الزبيب".. وبالقياس فإن هذا هو أجود أنواع الزبيب.
وصحيح أن جمهورنا العظيم قد لقي هذه المعاملة - كما حكي لنا وقد بدأت أشك في صحته – في مباراة الجزائر بالسودان، لكننا أيضا لم نر البث الحي لما جرى مثلما رأيناه في تلك المباريات.
ولكن هذا كله لا يبرر أن يرى المشاهد في الشرق والغرب هذا الذي يحدث في بلادنا علانية، ليس لأنه سيصف شعبنا بأنه همجي وغير متحضر ولا يتمتع بالروح الرياضية فحسب.
ولكن لأنه سيظن أن بلادنا ليس فيها قانون.
وسيحسب أن ما حدث شيءٌ مألوف في هذا البلد.
وسيعتقد أن الجهات المسئولة تعتمد هذا المستوى من التعامل مع الشعب المصري.
وسيفهم أن القادرين على هذا الفعل على الهواء وأمام الكاميرات يفعلون أضعاف ذلك حين لا يكون هناك رقيب.
وحينئذٍ سيصدق ما تقوله تلك القلة من "آلاف المارقين والحاقدين والمأجورين والمغرضين منذ عشرات السنين".
تذكرت لحظتها ذلك المحقق الذي احمر أنفه، وكاد ينفجر غضباً وغيظاً وهو يخاطبني، غيرة على القانون.
فأين الغيرة على القانون اليوم؟!!.
وأين المكانة العليا لمصر في أعين العالم؟!!.
وكيف سكت الجميع وامتنعوا عن التعليق؟!!.
لقد كان حادثا مثل هذا كفيلٌ بإشعال ثورة غضب لتصحيح الأوضاع على كافة المستويات الإدارية والسياسية في بلاد أخرى كثيرة.
الغريب أن ضيوف البرنامج جاءوا ليشرحوا لنا:
كيف ولماذا هبط فريق وانهزم آخر؟.
وليتهم يملكون المعرفة ليشرحوا لنا بالمرة:
كيف هبط الوطن ولماذا؟!! حتى صارت الجرائم تتمتع بهذه الدرجة من العلانية!.
وكيف ولماذا هان المصري في بلاده إلى هذه الدرجة؟ فوق ما يرزح تحته من أثقال العيش يجد الذل وهو يريد المتعة؟!.
ولماذا نستنكر امتهان المصري خارج بلده ولا نستنكر امتهانه داخلها؟.
لقد صادفت أكثر من برنامج يصور حال المصريين في بلادهم.. وهو طبعا مذاع على الدنيا كلها، وسمعت شكوى سكان المقابر، وشاربي ماء الصرف الصحي، وساكني الكهوف والمغارات.
وعبرات عجوزٍ تركت بلدها في الصعيد بعدما طردها ولدها لتبيع المناديل الورقية في شوارع القاهرة.
وقبلها نواح السيدة التي أفلت طفلها من يدها وهما يسيران فوق أحد الكباري ففوجئت به غريقا في النيل عبر فتحة صغيرة في جسم الكوبري، نسوا أن يكتبوا فوقها بريد سريع للمقابر، وبكاء المرأة التي ذبح ولداها لدفاعهما عن عجوز.
وتابعت مأساة "كترمايا"، فأدهشني الانفعال الزائد في تلك الحادثة الأخيرة دون غيرها، حتى كان موقعنا الحبيب ممن استنكروا وأدانوا.
وظني أن استنكار امتهان المصري في لبنان والتغاضي عن سحله في مصر.. هو تفريق بلا مبرر.. وتكريس لمفهوم الوطنية.. وتعلية للجدار العازل بين أقطار عالمنا الإسلامي.
وتعالت الأقوال المعتادة من كراهية العرب للمصريين (بنفس منطق جورج بوش) مع أن الأجدر أن ندرس نحن:
لماذا نهون داخل بلادنا أولاً.. ثم نبحث لماذا نهون خارجها؟!!.
وأين دور مؤسسات الدولة القائمة على رعاية القانون وسيادة الدولة في الدفاع عن القانون الذي لا يحترم المصريين؟.
أعتقد أن الإنصاف يقتضي أن نذكر عشرة أسباب فعلناها نحن بأنفسنا شعباً وحكومة هانت بها علينا أنفسنا، قبل أن نهون بأعين غيرنا من عربٍ وعجم:
فكم مرةً رأينا القانون يمتهن علانية وسكتنا؟!!.
وكم من مرة رأينا من يفتح فمه بكلمة الحق ويجرفه تيار الفساد وتعامينا.. ومنذ متى ونحن نرى أجيالا جديدة توقفت بها الأحلام عند مجرد لقمة العيش؟!.
بحسبك أن تفكر في أولئك الذين سيأتون من بعدنا لتدرك عظم مصاب الوطن.
في ومضات الذاكرة أسماء أخشى أن تكون ذاكرة الوطن قد محتها.
علي مراد الطيار الذي أبى أن تمتهن قوات صهيونية كرامة بلاده.
وسهير الشرقاوي التي كشفت قضية أكياس الدم الفاسدة.
والقاضية التي صممت على تسجيل التزوير في الانتخابات.
من يذكرهم اليوم؟.
ومن حاول أن يشد على أيديهم؟.
إن الشواهد التي تجرنا لها الأيام تخوفني أن وطنا يحتضر وتنذرني أن هوية تنطمس.
وكيف يسكت القانون وأهله هنا.. ولا يسكتون على ما يحمي ذواتهم ومناصبهم؟.
ولماذا تنقلب العيون والآذان والشفاه قطعا من الصلصال مسطور تحتها لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم في داخل مصر؟!!.
ثم نصرخ ونغضب حين يعاملنا الغرب بالسياسة ذاتها، وتخرس الأمم المتحدة ويصاب المجتمع الدولي بالعشى الليلي حين تراق دماؤنا عيانا بياناً؟!!.
كيف لمن يهتك الأعراض بين أهله أن يستنكر أن يهتك عدوه عرضه؟!.
كيف لمن يحارب النقاب في بلدي أن يلوم فرنسا وسويسرا حين تحرمان النقاب والآذان؟!!.
الأحد الموافق
13-8-1431هـ
25-7-2010م
| الإسم | عصام محمد |
| عنوان التعليق | سلام |
| تحيه للشيخ اسماعيل |
عودة الى قضايا معاصرة
|