الجمعة 23 ذو القعدة 1429     21 نوفمبر 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلمركز دراسات بريطانى يقول ان سلمان رشدى والكثير من زملائه المتحررين , يتعرضون لضغوط
خبر وتعليق

انهيار الحوار الفلسطينى فى القاهرة مسئولية
حركة حماس
حركة فتح
كل الاطراف
اقتراعات سابقة

التعليم وأنماط التفكير

بقلم أ. إسماعيل أحمد

لو كان الغرض من التعليم هو مجرد الحصول على شهادة ومن ثم وظيفة كما اعتدنا هذا الفهم  منذ عقودٍ ( حتى قيل تهكماً بلد شهادات) لكان مصير المعارف مرتهناً بملاءمتها للعصر وتفاعلها مع الواقع  ومشاهدتها في عالمنا ! فما هي القيمة العملية للعلوم ودراستها لو كانت المسألة مسألة شهادات ووظائف ؟وما هو الدور الحقيقي للعلم إذا كان الهم هم الشهادة !!  

حينما نتحدث عن العلم وطلبه في الإسلام لابد أن نجرد التعلم بأغراضه النقية وقدرته على السمو بالعقل عن ملابساته في عصرنا.

فالعلم وحده الذي حسم الفضل لآدم عليه السلام أمام الملائكة .. وهو المغزى بالأمر القرآني :" اقرأ".

وحين نفاخر بقدر العلوم في الإسلام فإننا نتذكر العظماء من سلفنا الصالح أمثال البخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل .. ونحكي أخبارهم كما تحكى الأساطير وكلما تشوقنا لأمجادهم ورغبنا أن نكون مثلهم صدمنا الواقع الأليم وكبلتنا القيود.

وقد بدا لي أن ادمج روائع السلف بروائعنا ( كما قال الشاعر: وبضــدها تتميز الأشياء) حتى نستبين أحوالنا العلمية ونتوقف أمام أنفسنا لنسأل ما هو طلب العلم ولماذا نطلبه :

رحل الإمام البخاري في طلب العلم إلى الشام و مصر و الجزيرة و العراق .. وأقام في الحجاز ستة أعوام يأخذ الحديث عن أربابه.. وتلقى عنه الناس الحديث ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره ..و سمع من نحو ألف شيخ وأخذ الحديث عنهم .. لا يسمع بشيخ في الحديث إلا رحل إليه وسأل عنه وأخذ عنه علمه.

وكان رحمه الله تعالى شديد الورع و التقوى .. قليل الأكل لا ينام من الليل إلا أقله و كان مجدا في تحصيل العلم وتأليف الكتب فيه .. يقوم من الليل ثماني عشرة مرة أو أكثر يسرج المصباح ويتذكر الأحاديث فيكتبها و يدقق البعض الآخر فيعلم عليها.

ـ وقد روت الآثار عنه رواية غريبة فقالوا أن علماء بغداد أرادوا اختبار حفظه وذكائه وإتقانه, فجاء أصحاب الحديث بمائة حديث فقلبوا متونها و أسانيدها .. ودفعوها إلى عشرة رجال .. إلى كل رجل عشرة أحاديث .. وأمروهم إذا حضروا الاجتماع يلقون هذه الأحاديث المقلوبة على البخاري فلما اجتمعوا كلهم مع حشد من الناس انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث فقال لا أعرفه , فما زال يلقي عليه حديثا بعد آخر حتى فرغ من عشرته .. وهكذا حتى فرغوا من الأحاديث المائة المقلوبة .. والبخاري لا يزيدهم على ((لا أعرفه)).. فاستغرب الناس كيف لا يعرف الأحاديث كلها.. فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال : أما حديثك الأول فهو كذا .. وحديثك الثاني فهو كذا و هكذا إلى آخر الأحاديث المائة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه .. فأقر له الناس بالحفظ و أذعنوا له بالفضل.

يقول الحافظ بن حجر رحمه الله عن هذه الحادثة : ليس العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا.. بل العجب من حفظه الخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة .

ـ نفس الذكاء كان في الإمام ابن تيمية رحمه الله وقد جاء عنه في (العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية): انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه.

ـ واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً، لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتّابه، وهو إلى الآن ما جاء.. فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتّاب ، فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط: ذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير: هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ. فجاء إليه. فتناول الشيخ اللوح منه، فنظر فيه ثم قال له: امسح يا ولدي هذا، حتى أملي عليك شيئاً تكتبه، ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه.. ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه عليّ، فقرأه عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع.. فقال له: يا ولدي، امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. ثم أسمعه إياه كالأول.. فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش الصبي ليكون له شأن عظيم.. فإن هذا لم يُرَ مثله، أليست هذه آلات تصوير ! وللإمام الشافعي ما يثبت أنهم كانوا جميعاً بهذه القدرة على " التصوير".

ـ أقول تعالوا بنا نتخيل أمثال هؤلاء التلاميذ النجباء في مدارسنا أو لنقل: تعالوا نبحث في مدارسنا عن أمثالهم ..لو كان هؤلاء بين مدارسنا لأثقلناهم بحفظ الكتب ولنهرناهم إذا حاولوا المناقشة أو السؤال.

ـ وهم رغم كفاءتهم في الحفظ أهل اجتهاد وفقه والفقه قائم على استيعاب الواقع ومضاهاته بالقواعد الفقهية.. حتى لا يعتقد البعض أن الحفظ الذي ننتقده ينافي المستوى الذي نأمله.. فالحفظ ملكة رائعة يتباهى بها الحفاظ في كل مكان.

ولعلنا نتذكر الطفل الذي كان يحفظ اللفظة من المصحف في موضعها حتى يحدد ما يقابلها في الصفحة الأخرى.. فليس العيب في الحفظ المجرد بل الحشو الذي لا ينتفع به.

إن التفكير العقلاني يقودنا إلى التساؤل عن صلة التعلم بالوظيفة  :

هل هو مشروع محمد علي باشا وحرصه على نشر العلم بحثاً عن الكوادر التي تتحمل أعباء الدولة الجديدة؟.

أم أن جذورها أبعد من ذلك ؟.

إذا كان الغرض من التعليم أنه لبنات التحضر وأسس الرقي .. فإن البناء الحقيقي للدولة يكمن في المستوى الفعلي لعلم ابنائها إذاً فالمفترض في الدولة أن تحرص على تطوير التعليم ومسايرة التقدم العلمي .. واتخاذ أسلوب البحث والاستقراء والمناقشة.. وأن تعمل على منع الغش لتنقية المواهب وإبراز الكفاءات الحقيقية في طلابها .. وعدم إسقاط الفوارق بين مستوياتهم بالغش المقيت.

وإن كان للعلم قيمته الكاملة والمستقلة كأساس للفضل فهو أجدر بتنقيته من كل نقيصة ّإذا كان الغرض منه بناء نهضة الدولة.

ولك أن تتخيل لو أن الإمام البخاري في حكايته تلك التي رويناها مع علماء بغداد كان يخبئ جهاز تسجيل في ثيابه ، ثم اكتشف أهل بغداد ذلك !.

أو كان الإمام ابن تيمية قد استعد سلفاً للقاء ذلك الشيخ ودون تلك الأحاديث في وريقة داخل ثيابه هل كان التاريخ سيتحمل عبء الاحتفاظ بذكراهم ؟!

ما الذي نفعله بمن يفكر وحده في زماننا؟

بينما أقلب في قصاصات أحتفظ بها من الصحف قفزت أمامي الطالبة التي كتبت عن أمريكا  وبوش في موضوع التعبير ففعلوا بها الأفاعيل .. فقلت لها: أنت مثال لما أردت قوله.. ولو كتبت مثلما فعل الآلاف غيرك لما حملت الصحف صورتك..وقد حجبت نتيجتك وأصبح مستقبلك في مهب الريح.. وتناثرت حولنا أخبارك بين صحيفة وقناة تلفزيونية والناس يعجبون : ماالذي أصابنا ؟

ـ وكما قلت إنهم يهاجمون بوش أمام البيت الأبيض كل يوم ولم يحدث شيئ فما بال القوم أشد تعصباً للسيد /بوش أكثر من الأمريكان؟.. ولما حصلت في النهاية على التكريم والإنصاف.

كثيرون غيرك يفضلون الإختباء بين الجموع لكنك اخترت التعبير عن نفسك ولهذا صرت شيئاً مختلفاً في عالمنا.

الغريب أنهم كانوا يسألونها من وراءك (ترى أين هي الآن وماذا تدرس؟).

نفس المصير نقرؤه عشرات المرات عمن يملك القدرة على الإختراع ويبرع في أيٍ من علوم العصر.. لن يحفل به أحد في بلادنا لكنه سينال بعض الذكر إذا لفت الإنتباه في الغرب أمثال د.أحمد زويل وغيره.. وإلا فمن كان يتحدث عن د.زويل قبل نوبل؟.. وهي بالطبع لم تكن أول إنجاز له.

وقد سمعنا أنه بعلمه وحبه لبلاده جاءنا بمشروع علمي لأكاديمية متخصصة فلم يصغ له أحد حتى انصرف عن بلاده آسفاً ولحسن الحظ أن دولة إسلامية عربية خليجية تحمست لفكرته ويوماً سيجنون ثمار هذا المشروع ونتجرع نحن كالعادة مرارة الفشل ولذعة الندم ( لو كانت أكاديمية في الرقص الشرقي أو لعب الكرة!).

والتعلم بمعناه الفعلي ليس هو الحفظ عن ظهر قلب ، وإن كان الحفظ من مهاراته وركائزه ، لكنه الإدراك والتفاعل والقدرة على الإستنباط والمقارنة واستقراء الواقع.

ـ تأمل منظر أحد تلاميذ زماننا وهو يدرس ويحفظ أطنان من المعلومات لن يستعملها أبداً طيلة حياته والمنهج طبعاً لا يهتم بتفهيمه الموضوع من جذوره بل مجرد مقتطفات.. ولا يسمح للطالب مثلاً أن يخالف وجهة نظر واضعي المنهج.. ولو كان ما يقوله خاطئاً – وكم في مناهجنا من أخطاء وتزوير.

لقد شرحت لابنتي في أحد دروس التاريخ أن الخائن هو علي بك الكبير والمخلص هو محمد بك أبو الدهب على عكس ما يقوله الكتاب .. فلما سألتني وماذا أكتب في الامتحان؟ .. قلت :طبعاً مثلما يقول الكتاب.. وليرحم الله محمد بك أبو الدهب.

ومثلها ما ثبت في أذهاننا عن خلاف معاوية وعلي رضي الله عنهما وحكم عمرو بن العاص وأبي موسى الذي لا يزال يروى مغلوطاً إلى اليوم.

تصور مستحدث لطلب العلم

منذ زمن بعيد وأنا أتمنى أن يكون التعليم في زماننا على طريقة السلف.. ومثلما كانوا يطلبون العالم في بيته وبلده ويتكبدون المشاق في سبيل الوصول إليه .. يكون طلب العلم عندنا.

وتخيلت لو تتخصص مدارس بعينها للغات الأجنبية واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وأخرى للعلوم الطبيعية كالأحياء والكيمياء.. ويكون لكل منها اسمها ومكانتها التي تحافظ عليها ( مثلما نراه في إعلانات الدروس الخصوصية على الجدران في القاهرة:الإمبراطور في الكيمياء ، الموسوعة في اللغة العربية وهكذا ..).

وإذا رغب الطالب في أن يتخصص في علم تتبعه في مستوياته الأعلى حتى يصل إلى منتهاه فيه ، كالأئمة الذين نقرأ عنهم في كتب السلف.

ويكون لكل مهنة كليات التخصص اللازمة لها وتحدد تبعاً لتخصصها العلوم التي ينبغي للطالب أن يحصل عليها.. فتقرأ في الصحف أن كلية الطب مثلاً تطلب حاصلين على شهادات في الأحياء والتشريح واللغة الإنجليزية و  ..و إلخ متطلباتها وهكذا.

ويكون الفصل الدراسي متنوعاً حسب طبيعة البلد التي تقع فيها هذه المدارس بين الشمال والجنوب .. ويمكن أن ننتفع بالمباني المدرسية طوال السنة .. ولا بأس أن تكون هناك مدارس متخصصة للألعاب الرياضية والأنشطة الثقافية والترفيهية كما كانت مدارسنا قبل ربع قرن أو أكثر.

إن التعليم في بلادنا شأن سائر القضايا الحيوية بحاجة إلى وقفة ومراجعة شاملة نستوضح من خلالها أهدافنا الحقيقية وتتولد الإرادة الصادقة ويبرز الوعي من داخلنا.. بل من أعماق رغبتنا في إصلاح أنفسنا.. ولا نستسهل الهروب إلى ماضينا التليد نتفاخر بما كان ولا نكلف أنفسنا عناء الاقتداء بهم.

ولنسأل أنفسنا لماذا نغضب من المدرس الضعيف والطبيب الخائب والمحامي الفاشل إذا كنا نستسيغ لأولادنا الغش في الإمتحانات ومن أين يأتينا التخلف إذاً؟.. لا يزال الناس في بلادنا يرفضون الربط بين ممارساتهم و المصائب التي نعاني منها جميعاً.. فمتى يدرك الناس أن البلد بلدهم ؟؟؟


الإسمفواز الأسوانى
عنوان التعليقالأستثمار فى عقول البشر
أستاذى المفضال .. أظن أن هناك فرق بين تحصيل علوم السلف الصالح وبين علوم اليوم خاصة الجانب العلمى منها ، فعلوم السلف تعتمد على التلقى واليوم تعتمد على كثرة التجارب المعملية وما على شاكلتها ، ووجه الشبه فى همة وأرادة السلف ومن يتفوق اليوم .. لكن العيب ليس فى ندرة الهمة العالية اليوم ، بل فى عملية التعليم برمتها .. لعلك تعلم أن العملية التربوية النفسية للمعلم سواء كان ثانوياً أو أستاذاً جامعياً معطوبة ويشوبها خلل عظيم .. فمدرس الثانوى يرى فى الطالب المبدع الطموح غروراً وتكبراً ( شايف نفسه حبتين ولازم يتأدب) وفى الطالب المناقش والمحاور مجادلاً وسفسطائى ( يعنى لطيم ورغاى ولازم يتلم ) . كما أن الكثير من أستاتذه الجامعة يتعاملون كأنصاف آلهة فلا معقب ولا رأى بعدهم وما يرونه هو الأصلح وهو الصواب المطلق .. فى دراستى لمادة العلاقات العامة فى كلية الإعلام قلت للدكتور أن العالم الألمانى أريسون يقول أن تلبية الإحتياجات الإجتماعية للجمهور الداخلى يقوى عملية الإنتماء والولاء بصرف النظر عن الإحتياجات الأخرى .ولكن لى رأى .. هو أن المطالب الفسيولوجية والنفسية من تحقيق العدل ومبدأ تكافؤ الفرص والأريحية النفسية للجمهور الداخلى مطالب مهمة جداً ولن يكون هناك إنتماء إلا بهما ..فيقول لى الدكتور وأنت تعلم أكثر من أريسون حتى يكون لك رأى ثم غضب منى وقال أجلس وبطل سفسطة . إنى سائلك كم مرة دخل أبنك أو أبنتك عليك قادماً من المدرسة متلهفاً على عمل تجربة درسها حتى لو كانت التأمل فى كيفية عمل القلم الذى يمسكه ..؟! يا سيدى عملية التربية النفسية غائبة عن مدارسنا ، ثم التلقين والتلقين وفقط ، لا مجال للتفكير والإبداع والإبتكار .ملكة الحفظ يا سيدى ممدوحة فى العلوم الشرعية وليست كلها أيضا..فى القرآن الكريم وعلم الحديث وغيرهما .. لكن هل الفهم ومن ثم الإبتكار والإبداع فى العلوم والرياضيات أم الحفظ والتلقين ؟ وها هم اليوم يقتلون كل أحلام وطموحات القسم العلمى لصالح الجامعات الخاصة وللحد من مشكلة أرتفاع المجاميع وكذلك للحد من القبول بكليات الطب . ومن يتكلم عن الطموح والإبداع يذكر لى أين خريجو كليات العلوم فى وطننا . سيدى .. لا أرى هناك أى بارقة أمل فى ترميم أو أصلاح أو تأهيل التعليم لأننا ما زلنا لا نستشعر عظمة وأهمية الأستثمار فى عقول البشر .. يوم أن نشعر بأن التعليم حقاً هو المحور الأستراتيجى للأمن القومى وقاعدته الرصينة.. يومها فقط نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح


عودة الى قضايا معاصرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._