مع الغزالي في معاركه -4- تشخيص الداء بقلم/هشام النجار
من نافلة القول أن الشيخ محمد الغزالي كان مثالا للداعية النابه بعيد النظر ثاقب الفكر سديد الرأي.. و أنه كان لا يعيش قضايا أمته وهمومها بروح الحالم وخيال الشاعر.. ولكن كان يعايشها بروح الطبيب المعالج والجراح الخبير المشفق على أمته مما ألم بها وأصابها .. المجتهد في استئصال ما أنهكها وأقعدها وأخر انطلاقها على مدى عقود طويلة .
وبهذه الروح شخص الإمام الغزالي الداء وشرح أعراضه ومضاعفاته وآثاره الجانبية.. ثم وضع الدواء الناجع لهذا المرض .. لنر أولا كيف وصف الغزالي ( الطبيب ) أحوال مصر قبل أكثر من نصف قرن.
انه يراها ( كما في الإسلام والطاقات المعطلة ) : " قد سقطت في غيبوبة الموت الأدبي .. تعانى الجهل والفقر والمرض جميعا .. ونرى خصامها لمطالب الحياة الزكية قد جر عليها الهوان وكساها لباس الجوع والخوف " .
يقول رحمه الله في كتابه ( الإسلام والمناهج الاشتراكية ) مؤرخا لبداية المرض وبالتالي لبداية انهيار الأمة ولزومها الفراش وما تبعه من فقر وضعف : " ... إن العالم الإسلامي خارت قواه المادية منذ جهل دينه وما يستهدفه هذا الدين للإنسانية من هدايات وأمجاد .. واليوم نتلفت .. فنجد الأمم الكبرى تتدفق من بين يديها ومن خلفها ينابيع الثروة التي لا تحقق بها هدفا نبيلا ولا عملا جليلا .. أما نحن فننتظر منهم أن يقدموا لنا الإبرة التي نخيط بها ثيابنا والملعقة التي نأكل بها طعامنا .. بل قد تصل المصيبة المضحكة بهم وبنا إلى حد أن نطلب منهم السلاح الذي نحمى به ذمارنا وندفع به العدوان – أي عدوانهم علينا - .. " .. ويقترب الغزالى بمنظاره أكثر وأكثر من مواضع الداء ومن أماكن الوجع .. يقول رحمه الله في كتابه الأول ( الإسلام والأوضاع الاقتصادية ) : " .. لقد سمعت رجلا يشكو من جودة هضمه ويتساءل: ماذا يفعل ليجيب صيحات معدته التي تعلو بين الحين والحين وهو لا يجد القوت".
وقرأت أخيرا نبأ العثور على جثة محترقة بالإسكندرية.. فلما عرف صاحبها وانتقل المحققون إلى مسكنه وجدوه يعيش مع امرأته في غرفة حقيرة.. كل ما فيها لحاف قديم مهلهل قذر .. كان الزوجان يتغطيان به .. ويضعان رأسيهما على قطعة صغيرة من قضبان السكك الحديدية.. وذكرت الزوجة أن رجلها كان دائم الشكوى من (الفقر).. فلما وجه إليها المحققون السؤال التقليدي، هل لزوجها أعداء ؟ أجابت المرأة: نعم وأشارت إلى بطنها صارخة: المعدة يا بك.. المعدة عدونا الأول والأخير وهى أكبر عدو..".
ويقول الغزالي أيضا في نفس الكتاب واصفا أحوال الريف وأهله : ".. كنت أتردد على الريف بين الفينة والفينة بغية الاستجمام ، فما أدركتني قط عواطف الشعراء حين كنت أعيش بين أهله وأخالطهم عن كثب .. وما خرج عن قلبي ما يتوهم وجوده هناك من الماء والخضرة والوجه الحسن، فان نظرتي للأشياء واقعية اقتصادية لا أثر فيها للخيال ولا تطلع فيها للجمال.. الماء ؟ انه عكر يشربه الناس ويشربون معه شتى الجراثيم فهو للارتواء وللداء معا... والخضرة ؟ إن هذه الزروع اليانعة يمضى في ظلالها المستأجرون الهلكى أو الملاك المدينون وعلى ملامحهم من غبار الأرض قتام حافل بالنذر من المستقبل المريب .. وحتى الدواب سرت إليها هي الأخرى العدوى فهي عجاف ساهمة برغم نشاط وزارة الزراعة في تلقيحها بالأمصال الواقية.. والوجه الحسن ؟ أين الوجوه الحسان بين هذا الماء وهذه الخضرة.. إن الجمال مسخ في فتيان الريف وفتياته...".
ثم يقول في موضع آخر واصفا حال المدن والمناطق الراقية وسكانها الغافلين عن بؤس الفقراء وجوع المعوزين: ".. إلى جانب هذه القصور الشاهقة والمباني الرائعة توجد أرض أخرى في أحياء قريبة عليها بيوت كأوكار الثعالب، وفيها وحشة كأنما خلعت عليها من صمت القبور، يقطنها أقوام عضهم البؤس ولفهم في أرديته الكئيبة".. ويصف هذه الحالة في موضع آخر بقوله : " وكم في الغرف الحقيرة والأزقة المظلمة والخرائب المتهدمة من كفايات مقبورة وعزائم مقهورة ونفوس نسيت النور من طول ما قبعت في الظلام ".
.. وينقل الشيخ الغزالي في ( الإسلام والمناهج الاشتراكية ) وصف أحد الصحفيين الأمريكان للهوة الواسعة بين طبقات المجتمع المصري .. يقول الصحفي الأمريكي : " .. إن الطبقة الحاكمة في مصر لا يزيد عدد أفرادها على 5% من مجموع السكان وأفراد هذه الطبقة يملكون نحو 95% من خيرات البلاد.. أما الفلاح فيعيش هو وأسرته وجاموسته وحماره في بيت واحد من اللبن.. وقد يترك الباشا من باشاوات مصر طعاما لم يمس على مائدته يكفي لإشباع فلاح مع أسرته الكبيرة عدة أسابيع ".. هذا الحال كان في مصر قبل نصف قرن من الزمان.. قبيل الثورة في زمن الباشاوات.
والوضع اليوم لا يختلف كثيرا عما وصفه الشيخ رحمه الله رغم زوال الباشاوية، بل زادت الهوة الطبقية واستفحلت وبدأت مساوئها في الظهور بداية من منتصف السبعينيات ووصلت إلى ذروتها في أيامنا هذه.. أوردت إحدى المجلات المتخصصة أرقاما وإحصائيات مفزعة وذكرت فيما ذكرته:-
أن في مصر وحدها عشرات المليارديرات بوسع الواحد منهم التكفل بمحافظة بأكملها لمدة سنة دون أن تتأثر ثروته.. بل إن ملياردير واحد (دون ذكر أسماء) بوسعه إعطاء كل مصري مليونا من الجنيهات بدون أن تتأثر ثروته أو يهتز وضعه كثيرا!!.. وهذا معناه (بحسبة بسيطة) أن متوسط الفائض لدى هذا الملياردير يبلغ حوالي ثمانين مليار جنيه (اللهم لا حسد).. ومظاهر وصور وأمثلة التفاوت الطبقي والفوارق الهائلة بين أغنياء المجتمع وفقرائه واضحة.. ماثلة للعيان.. معلومة للجميع.. لا تحتاج إلى كثير شرح وتفصيل.
أما أسباب هذا الداء.. فينفي الغزالي في البداية التهمة عن الإسلام.. عندما أحب بعضهم – ممن يصطادون في الماء العكر – إلصاق التهمة به وجعله سببا في فقرنا وضعفنا وتخلفنا.. فيقول كما في كتابه (الإسلام والطاقات المعطلة):-
".. ثم إن اتهام الدين – أعنى الإسلام – بأنه سبب ما نحن فيه فهو سخف يجرى على ألسنة أشباه المثقفين ممن صنعهم التبشير الاستعماري في هذه السنوات العجاف من تاريخنا "... أما الأسباب الحقيقية فقد وضع الغزالي يده عليها.. فالسبب أولا في الكثرة من المسلمين الذين يهيمون في الشوارع كل منهم يبحث عن ذاته وعن مصلحته وليذهب الجميع بعد ذلك إلى الجحيم.. يقول : " الميادين والشوارع ملأى بأناس يجرون في كل ناحية .. ما يفكر أحدهم إلا في غايته .. وما يحس إلا حاجته .. وما يعنيه من شئون الآخرين قليل ولا كثير".
السبب الحقيقي أيضا في: " الجماهير الكثيفة التي تعيش فوق بقاع فيحاء عامرة بالخيرات يمكن أن تفيض باليمن والغنى .. ومع ذلك فان هذه الجماهير لا تحسن الاستفادة مما بين يديها وما خلفها ".. ويأخذ الغزالي (الطبيب المدقق) عينة وشريحة من هذه الجماهير العريضة ويحللها.. كما في كتابه (الإسلام والطاقات المعطلة): ".. عندما كنت مقيما في جبل الطور رأيت أعرابيا يصطاد من البحر الأحمر.. رأيته رمى بصنارته.. فلما اشتبكت بها سمكة تبلغ الأقة .. قرت عينه بها .. فطوي خيطه وانصرف .. قلت له : لم هذه العودة السريعة ؟ قال: هذا يكفي .. فأجبته : أن هناك كثيرين يودون أن تصطاد أكثر وأن يشتروا منك ما زاد عن حاجتك .. فهز رأسه ومضى.. إن طول الحياة وعرضها في عينه لا يتجاوز شبرا في شبر هما طول بطنه وعرضه.. وجاوزت ببصري هذا الأعرابي.. فرأيت باخرة تشق الموج في طريقها إلى المحيط .. قلت: إن ألوف السفن التي تمر من هنا لم يصنع منها لوح واحد في موانينا .. " .
ويؤكد الغزالي أن ما أصاب المسلمين من بطالة وكسل وخنوع واستسلام للواقع لا دخل للإسلام فيه.. ويضرب لنا رحمه الله مثلا يبرئ به ديننا وتعاليمه ويوضح به الفارق الشاسع بين ما يدعونا إليه ديننا وبين واقعنا ووضعنا الشاذ.. كما في كتابه (الإسلام والطاقات المعطلة): ".. وإذا بنيت لابنك قصرا رحب القاعات.. سامق الشرفات.. ميسر المرافق.. ممهد الطرائق.. ثم قلت له: ذلك لك.. تنزل منه حيث تحب.. وتستغل علوه و سفله كيف شئت.. فأبى إلا أن يسكن منه في مخدع خافت الضياء مخنوق الهواء.. أو أبى إلا أن يعيش بين المطبخ ودورة المياه.. فهل يلام على هذا الضيق رب البيت الذي أشاد فأوسع.. ومكن فيسر؟ أو هل تلام تعاليمه التي أباحت وأغدقت؟.. إن الله تبارك اسمه يقول: " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون " ويقول : " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " .
ويقول الغزالي أيضا في نفس المعنى: " إن الإسلام رسم خطا مشرقا للحياة الإنسانية على ظهر الأرض.. وأي تال للقرآن الكريم يعلم أن الله استثار أعرق ما في الإنسان من خصائص وطلب إليه أن يديم الخطو بين فجاج الأرض وآفاق السماء وهو مفتوح العين.. ذكى النظر.. مرهف الحس.. وأن يكون ملكا بين شتى الكائنات التي يسرت له ومكن منها.. فإذا ارتكس ابن آدم بعد هذا البلاغ وتعثرت خطواته.. واستبدت بمسالكه أوهام غبية.. فليتعلل بما شاء من معاذير.. ولكن لا معنى للكذب على الدين".
السبب أيضا – كما يرى الغزالي – في طائفة من المتدينين الذين عزلوا أنفسهم عن الدنيا وأرادوا أن يحبسوا الإسلام معهم في زواياهم .. يقول في كتابه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية): " بعض المتدينين من يؤلف طوائف من المتسكعين و المتبطلين باسم التصوف أو غيره ليعيشوا في الدنيا فقراء بائسين" .
وفي كتابه (الإسلام والمناهج الاشتراكية) يصفهم بقوله: " ثم العيب كذلك على طوائف المتدينين.. لا ترى مواطن العبادة إلا في مواطن المسكنة والدمامة والقلق.. كأن الله لم يخلق الراحة والجمال والمتاع إلا ليحتكرها الإلحاد والملحدون".. وفي موضع آخر من نفس الكتاب ينفي عنهم الغزالي صلاحهم وتقواهم.. فالصلاح والتقوى شيء آخر غير الذي يمارسه هؤلاء.. يقول: ".. أما اليوم فأمارات الصلاح المكذوب والتقوى المصطنعة أن ترى رجالا يمشون رويدا.. ويكثرون لغوا.. ويأكلون سحتا.. ويعيشون في جو من الهمهمة والشعوذة لا عمل فيه ولا كفاح ولا تكسب".
ويبرئ الغزالي الإسلام أيضا من هؤلاء ويسحب بساطه الرحب من تحت أرجلهم .. يقول في كتابه ( الإسلام والمناهج الاشتراكية ): " التدين ليس معناه الحياة الجافة والمعيشة الهون والزهادة البليدة واليد التي لا تدرك قيمة المال والنفس التي لا تفقه معنى الجمال والمسلك الذي يجعل البيت قبرا قبل القبر والدنيا فناءا قبل الموت .. والعمر حرمانا من كل استرواح ونعمة ".. ويقول: " إن الإسلام وثيق الصلة بالكون والحياة .. ولا يمكن البتة عزل حقائقه الأولى عن العالم المتحرك الذي نصبح فيه ونمسي"..
أيضا من أسباب الداء كما صنفها الغزالي ذلك الضياع والتسكع وإهدار قيمة الوقت والزمن في شوارعنا وأنديتنا .. يقول في ( الإسلام والمناهج الاشتراكية ): " إن الفراغ يلتهم أوقات الفقراء والأغنياء عندنا حتى لنحسب الزمن أهون ما لدينا من متاع.. وفي القاهرة مئات من الأندية التي تؤوى المتسكعين سحابة النهار وقطعا من الليل وأساليبنا في الحياة لا تكون شعبا يسود في هذه الحياة".
ويقول في موضع آخر مقارنا بين علاقتنا بالوقت وعلاقة الآخرين وحدد اليهود: " هذا الجهد الإنساني الضائع عندنا سدى يقابله من الناحية الأخرى قوم يشحون بالدقيقة على اللهو .. وينطلقون كادحين كأنهم جن سليمان لاستعادة ملك سليمان ".
وهناك سبب آخر مهم من أسباب هذا الداء العضال ركز عليه الغزالي أيما تركيز وهو رأس المال المهدر على المساخر بفعل القلة المترفة.. يتساءل رحمه الله في (الإسلام والمناهج الاشتراكية): " . فأين تذهب أموالنا.. إن المصطافين من كبرائنا ينفقون في مواخير فرنسا نحو عشرين مليونا من الجنيهات كل عام.." ويقول في نفس الكتاب: "يعيش هؤلاء في مصر بعض العام وفي أوربا البعض الآخر.. فأما في مصر فوظيفتهم الأولى اعتصار جهود الكادحين فوق هذه التربة المغبرة، وحصاد ما زرع غيرهم.. حتى إذا أفعموا جيوبهم ذهبا وفضة رحلوا إلى أوربا ليكونوا سفراء لنا في ميادين اللهو واللعب".
وفي نفس الكتاب في موضع آخر يصف هذه القلة بالشياطين: ".. وذلك أن ضغط الطبقات المترفة كان شديد الوطأة.. فاستطاع هؤلاء الشياطين أن يكمموا الأفواه وأن ينشروا الرهبة والرعب وأن يقضوا أعمارهم في أيام باسمة وليال حالمة على حين يحصد الحرمان أجيالا غفيرة من المنكوبين والضحايا".
وفي كتابه (الإسلام المفترى عليه) يستنبط الغزالي السبب الذي يجعل أغنياءنا و مترفينا ينفقون المليارات على المساخر ويضنون بها على إخوة الدين والوطن .. يقول : " .. أما أغنياؤنا فهم أشد الناس إسرافا في ملذاتهم الشخصية وأشدهم ضنا على شئون الوطن والمجتمع.. وكأن واعظا خفيا يوحى إليهم أنهم جمعوا ثرواتهم من باطل .. فينبغي أن تنفق في مصارف السحت والفجور وحدها ".
يرى الغزالي أيضا أن من أسباب هذا الداء العضال البعد عن منهج الله جل في علاه.. وإعلان الحرب عليه جل شأنه ورسوله باعتماد التعامل بالربا في كل المؤسسات والمصالح والمشاريع والتعاملات.. يقول رحمه الله كما في (الإسلام والمناهج الاشتراكية): ".. أينما رميت ببصرك في جوانب الحياة الداكنة التي نعيش فيها رأيت شبح الربا ماثلا أمامك.. لم يترك عملا اقتصاديا إلا دس فيه أصابعه الصفراء ".
ومن الأسباب أيضا التذلل واللجوء إلى الشرق والغرب لاستجداء خيراتهم ونسيان وإهمال ما لدينا من ثروات وإمكانيات وطاقات .. يقول رحمه الله في (الإسلام والمناهج الاشتراكية): ".. هذه مثلا مصر.. كم بها من كنوز مدفونة وثروات مهملة".. ويتساءل في موضع آخر من الكتاب: ".. فلماذا – بالله – تعيش جمهرة الشعب على التسول وتلك إمكانيات الأرض التي ندب فوقها ؟؟".
ويرى الغزالي أن من ضمن الأسباب الرئيسية لهذا الداء العضال تلك الطبقة الحاكمة التي تعيش في واد وأممهم المقهورة في واد آخر.
وقد وصف الغزالي هذه الطبقة بالاستعمار الداخلي.. يقول في (الإسلام والأوضاع الاقتصادية): ".. وكم تظن عمق الفجوة بين هؤلاء الحكام وبين أممهم المقهورة.. لذلك قلنا إن أمثال هذه السلطات استعمار داخلي .. وان ما يتولد في ظلها من ذل وقطيعة وبغضاء هو المهاد الطبيعي للاستعمار الخارجي".
ويقرر في كتابه (الإسلام والمناهج الاشتراكية) أن ضعف الأمة وفقرها وتخلفها وشللها هو الذي يمد الاستعمار (داخلي وخارجي) بالقوة والبقاء ويدعم استمراره.. يقول: ".. إن كلا الاستعمارين من داخلي وخارجي يستمد بقاءه من مهانة الأمم وتقييد حركتها وشل نشاطها".
السبب كذلك – كما رأى الغزالي – فيما يحيط بهذه الطبقة الحاكمة من مجموعات من المنتفعين الذين يمارسون ما أسماه رحمه الله بالنفاق السياسي.. يقول في (الإسلام والأوضاع الاقتصادية): ".. إنما الآفة في النفاق السياسي الذي ضلل الإنسانية عن غايتها .. والذي أدار رحى المطامع على أكباد الأمم المسكينة فمزقها".
السبب أيضا – كما قرر الغزالي – في حكم الفرد وسيطرة وهيمنة الفرد ورؤية وفكر الفرد وإرادة وقرار الفرد.. يقول في (الإسلام والمناهج الاشتراكية) مؤكدا أنها أزمة رجولة تعانيها بلادنا: ".. فإن آفة البلاد الإسلامية هذا اللون من التحكم الفردي الناشر للرعب والرهبة.. والمالك لسلطات لا نظير لها في المشارق والمغارب .. يالله للمسلمين ! رجل واحد يملك هذه الصولة كلها .. فيسجن أمة إذا أراد ويميت نهضة ... إنها أزمة في الرجولة يعانيها هذا الشرق البائس لا ندرى متى تنزاح ضائقتها".
هذا هو الداء كما شخصه الغزالي (الطبيب الخبير الحاذق) وهذه هي أسبابه وأعراضه ومظاهره ومضاعفاته.. أما الدواء والعلاج فقد وصفه الغزالي ووضع له روشتة شاملة متكاملة.. كفيلة – إذا التزمت بها الأمة – بالقضاء على الفقر ومظاهره وأعراضه.. وهذا ما سنتناوله في المرة القادمة إن شاء الله..
| الإسم | أبو عمار |
| عنوان التعليق | الداء الحقيقي |
| بارك الله فيكم. إننا فعلا نعلم أن الداء الحقيقي هو الابتعاد عن الدين. و لكن العلاج في الرجوع إليه لا شك، و بقدر العودة إلى الدين - عاطفة و فعلا - بقدر التوفيق و السداد. و لكن هل كانت طريقة الأستاذ الغزالي رحمه الله هي الأقرب إلى العودة الحقيقية-أعني التأثر بالمنهج العقلي المعتزلي في طرح الحلول للأمة-؟؟ لا زلنا نتسائل: لماذا غض الطرف عن الشوائب و الانحرافات في رؤية الغزالي رحمه الله؟!! نعم هو رجل له تجربته و آثاره الطيبة و لكن ليست هذه هي أفضل التجارب على مستوى الصحوة. نتمنى تقديم نماذج أقرب للحق للشباب كقدوة يقتدى بها. |
| الإسم | اوس ابو احمد |
| عنوان التعليق | حسبك ابا عمار |
| شكر الله لك أ/هشام على الموضوع ونرجو المزيد .. أما قول الاخ ابي عمار بأن الشيخ الغزالي يحمل منهج المعتزلة فلست أدري ما مصادره في ذلك . فالشيخ رحمه الله كان من ائمة الوسطية في العصر الحديث, وكان يكره الغلو والتشدد والتنطع.. وقد قرأت كثيرا من كتبه وسمعت بعض محاضراته فلم أجد ماتقول عنه.. ارجو الكف عن الطعن أو التجريح في رموز العمل الاسلامي فهم الذين قدر الله ان يكونوا سببا في هداية الاف المسلمين. خصوصا أنه لم يكره (بضم الياء وكسر الراء)أحدا على فكرته وتبني رؤيته.. اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. |
عودة الى دروس في الدعوة
|