|
نقاش عاقل حول قضية الإمامة في اعتقاد الشيعة الاثنى عشرية بقلم/ هشام النجار
تقوم عقيدة الشيعة الإمامية (الاثنى عشرية) على ركن يعتبرونه أصلا ً من أصول دينهم وهو (الإمامة) .
وإن اختلف البعض في تاريخ بدء التشيع، فإن الشيعة يعتقدون في أن تلك الفكرة قد تكونت في بداية الرسالة؛ عندما نص النبي (صلى الله عليه وسلم) بـ (الإمامة) لعلى بن أبى طالب رضي الله عنه من بعده.
ولأجل ذلك تعسفوا في تأويل آيات كثيرة من القرآن وعلى رأسها آية التبليغ؛ التي قالوا أن سبب نزولها، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما نزل بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع، وكان الوقت ضحى والحر شديد، فنودي: "الصلاة جامعة"، فاجتمع الناس، فخطب فيهم خطبة بليغة ثم قال: "أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى أنزل إلى : "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" وقد أمرني جبريل عن ربى أن أقول في هذا المشهد، وأعلم كل أبيض وأسود بأن على بن أبى طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدى".
وفى رواية أخرى: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" .
وحديث (غدير خم) عند الشيعة مشهور وله روايات عديدة، وهو عادة أول ما يقابلك عندما تطالع مؤلفاتهم في الإمامة التي حظيت بدورها بالنصيب الأكبر من الحديث، فقد وضعوا للتنظير فيها وتأصيلها آلاف المجلدات والكتب.
وهم يحتجون أيضا بما قاله النبي (صلى الله عليه وسلم) لعلى ابن أبى طالب رضي الله عنه حينما خرج إلى غزوة تبوك وخلفه على المدينة، فقال على: "أتخلفني في النساء والصبيان؟"
فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): "أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى".
واحتجوا بمرويات أخرى كثيرة اخترعوها ووضعوها ليبنوا عليها هذه الفكرة التي يعتبرونها الأصل الأول من أصول دينهم، ولا مجال هنا لسرد هذه المرويات الكثيرة فهي لا تستحق حتى عناء قراءتها فضلا عن الرد عليها ونقدها .
والذي يقرأ هذه المرويات لا يملك إلا أن يضرب كفا بكف عجبا لواضعها: أين كان عقله، وكيف سولت له نفسه أن أحدا من البشر يحترم ذاته ويفكر بعقله – لا بشيء آخر - سوف يصدق ويؤمن بهذه الشطحات والسخافات، وتلك الحكايات التي تشبه حكايات الزير سالم والزناتى خليفة !
والإمامة عند الشيعة منصب إلهي؛ يختاره الله كما يختار النبي، ويدل الأمة عليه ويأمرهم بإتباعه.
فالإمامة عندهم مثل النبوة في كل شيء باستثناء الوحي، وهو أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا به، والذي لا يؤمن بالإمامة ولا يعتقد بها فهم يجمعون على أنه غير مؤمن ومنهم من قال بكفره .
ونستطيع أن نقف على أهمية ذلك الأمر لديهم بأن نطالع بعض ما كتبه علماؤهم فيه:
يقول القمي في رسالته في الاعتقاد (صفحة 103): "اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين على ابن أبى طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم)".
وكان صاحب (بحار الأنوار) أكثر صراحة ووضوحاً من غيره حيث قال: "اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار" (23 / 390) .
والشيعة يعتقدون بوجوب نصب الإمام على الله تعالى لوجوب (اللطف) عليه سبحانه، ولا دخل للأمة في اختيار الإمام وتنصيبه، ويعتقدون في عصمته من ارتكاب الرذائل والفواحش عمدا أو سهوا وهو معصوم من الخطأ والنسيان .
ونحن هنا لن نناقش الشيعة في مروياتهم الموضوعة المكذوبة؛ فيكفى القول ببطلانها وعدم صحة نسبتها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويكفى ما فصله العلماء قديما وحديثا في الرد المقحم على هذه المرويات المفتراة، ويكفى أن نضرب مثلا بثلاثة أحاديث فقط مما يحتجون بها لتضح الصورة .
فبالنسبة لحديث (غدير خم) وآية التبليغ الذين كثر الاستدلال بهما في كتبهم في سياق الحديث عن الإمامة، فهذا الاستدلال مردود لسبب بسيط وهو أن الآية قد نزلت في عام الحديبية عند رجوع النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، ولم تنزل في حجة الوداع كما يدعى الشيعة، وبين الحديبية وحجة الوداع أربعة أعوام (راجع كتاب الخلافة للنبهاني) .
كما أن الآية عامة ولا تخص الإمامة، يقول الله تعالى: "وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ"؛ فالتبليغ لعموم الرسالة، والمقصود هو جميع ما أنزل الله من أحكام وشرائع قبل نزول الآية.
وليس أدل على كلامنا من أن التبليغ في الآية الكريمة إنما هو للناس كافة وليس للمؤمنين فقط؛ لأن المؤمنين قد بلغوا فعلا الأحكام والشرائع، وآمنوا بما بلغوا به لقوله تعالى في نفس الآية "وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ".
وقد ذكر النبهاني أيضا في معرض رده على هذا الاستدلال أن ولاية العهد والوصاية والخلافة تنافى آية: " قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى".
فهذه الآية لا تطلب من المسلمين إلا مودة رسول الله؛ إذ لا يوجد بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه وشائج من نسب أو رحم أو قرابة.
وذكر أيضا أن على ابن أبى طالب رضي الله عنه كان عند نزول آية التبليغ في اليمن، وهذا وحده كاف لرد الحديث ولدحض الاستدلال به.
أما حديث (أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى)؛ فقد ذكر النبهانى رحمه الله أن منطوق هذا الحديث يدل على الاستخلاف في النساء والصبيان، وليس في الحكم ، إذ لو كان الحديث يصلح للاستدلال على الاستخلاف في الحكم لصلح لمن استخلفهم النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزواته، ومنهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وزيد بن حارثة وابن أم مكتوم ومحمد بن مسلمة وغيرهم .
وقد ذكر النبهانى أن حادثة استخلاف هارون عليه السلام لا تصح للمقايسة لأن هارون عليه السلام قد مات في حياة موسى عليه السلام، ولأن موسى لم يكن حاكما بل كان نبيا ، ولم يستخلف هارون في الحكم وإنما استخلفه في القيام بواجبات النبوة لأن هارون كان نبيا، والحكم شيء والنبوة شيء آخر.
ونحن نساءل الشيعة:
لماذا اللجوء للتحريف والتأويل المتعسف والوضع، في سبيل إقناع بعض البله والسذج من الناس بالنص على إمامة على رضي الله عنه بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
وما رأيكم إذن في الأحاديث الصحيحة التي وردت في إمامة أبى بكر الصديق رضي الله عنه؟
ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم) للمرأة التي جاءت تسأله عن أمر وقالت: أرأيت أن لم أجدك، فقال لها: "ائت أبا بكر".
وقوله (صلى الله عليه وسلم) لعائشة رضي الله عنها : "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
وحديث الرؤيا التي أخبر عنها بقوله (صلى الله عليه وسلم): "رأيت كأني على قليب أنزع منها، فأخذها ابن أبى قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفى نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه حتى ضرب الناس بعطن".
وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فصلى بالناس مدة مرض النبي، وكان آخر صلاة صلاها رسول الله جالسا خلف أبى بكر، ثم أمره (صلى الله عليه وسلم) بأن تسد خوخات الصحابة الموجودة في المسجد إلا خوخة أبى بكر.
وقوله (صلى الله عليه وسلم): "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ً".
ثم ما رأيكم في إجماع الصحابة رضوان الله عليهم - الذين وصفهم الله عز وجل في كتابه بالصدق – واتفاقهم على بيعة أبى بكر رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله؟!!
بل ما رأيكم في اعتراف على رضي الله عنه بأفضلية الصديق (أبي بكر) وأحقيته لإمامة المسلمين ومبايعته له أمام جموع المسلمين بعد ذكر فضيلته وسابقته؟ (راجع صحيح البخاري كتاب المغازى باب غزوة خيبر) .
ونساءل الشيعة أيضا ً:
كيف تعتقدون في عصمة الأئمة الموكول إليهم تطبيق الشريعة، وصاحب الشريعة نفسه (صلى الله عليه وسلم) وهو رسول رب العالمين وسيد المرسلين وخاتمهم لم يدع لنفسه العصمة، وإذا كنتم تقولون بأن تطبيق الشريعة وحمايتها لا يقوم به إلا المعصومون، فكيف قام به الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم وهم ليسوا بمعصومين، ولم يقل أحد بعصمتهم ؟
ومما يحتج به علماء الشيعة الإمامية الاثنى عشرية على نظريتهم تلك ما يعرف عندهم بحديث الدار، وقصة هذا الحديث كما تروى كتب الشيعة تتلخص في أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما نزلت عليه الآية الكريمة "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" دعا عليا وكلفه بإحضار طعام ودعوة آل عبد المطلب ففعل، وبعد أن شبع القوم وقف الرسول خطيبا وقال يا بني عبد المطلب أني والله ما أعلم واحدا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به.
وقد أمرني الله بأن أدعوكم فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم إلا عليا فقد أجاب أنا يا رسول الله أكون وزيرك، فأعاد النبي القول والقوم لا يزالون محجمين ولا يزال يعلن القبول في كل مرة، وعندئذ أخذ النبي بيد على وقال للحاضرين، هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا، والقوم يضحكون من النبي ودعوته فخرجوا من عنده وهم يقولون لأبى طالب قد أمرك محمد بأن تسمع وتطيع ابنك.
وقد رد النبهانى رحمه الله على هذا الحديث الموضوع المردود متنا وسندا من وجوه:
الأول:- أن القول بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد طلب مؤازرة بني عبد المطلب واشترط لهم الأمر من بعده باطل؛ لمناقضته فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) حين رفض طلب قبيلة أن يكون لها الأمر من بعده (صلى الله عليه وسلم) إذا أسلمت فقال الرسول: "الأمر لله يضعه حيث يشاء".
الثانى:- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا بني عبد المطلب ليسلموا فما شأن على حتى يتصدى للإجابة .. ألم يكن مسلما في ذلك الوقت ؟!
الثالث:- أن صيغة الأمر في الآية الكريمة تأمر بالإنذار لا بتعيين الوصاية والخلافة.
الرابع:- يذكر الحديث أن القوم رفضوا الإسلام، وخرجوا يتضاحكون من النبي ومن دعوته ، فكيف يقول لهم النبي هذا خليفتي فيكم ويأمرهم بالسمع والطاعة، وهم كفار ولم يقبلوا الإسلام – ابتداءً – حتى يقبلوا خلافة على.
الخامس:- وهو أنه لو فرضنا صحة هذا الحديث – وهذا مستحيل – لكان معناه أن عليا خليفة في آل عبد المطلب دون غيرهم.
| الإسم | |
| عنوان التعليق | ناصح لك |
| من فضلك يا أخي إهتم بتخريج الأحاديث التي تكتبها مع ذكر درجتها عند المحققين لأن هذا أقرب إلي التدليس |
عودة الى دروس في الدعوة
|