|
سيرة الداعية هي أهم أسلحته في الدعوة بقلم د/ كمال تمام
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. وبلطفه تفرج الكربات.. وبطاعته ترتقي الدرجات.. وبشكره يزاد في العطايا والهبات.
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
وبعد...
من أهم مقومات الداعية أو الخطيب المؤثر ـ في رأيي ـ سيرته وما يتحلى به من مكارم الأخلاق.
إذ أنها تلعب دوراً كبيراً في قبول كلامه واحترام توجيهاته.. بل إن كثيراً من المستمعين يعد ذلك هو مقياس صدق الخطيب.. ومدى احترامه لآرائه ونصائحه.
والمستمعون ينظرون إلى الخطيب على أنه مثال يحتذي في أفعاله ومعاملاته وسيرته وأخلاقه.. سواء أكانت هذه السيرة مع أصحابه وجيرانه ومن يعاملهم في موقع عمله.. أم كانت في بيته ومع أهله وأسرته.
وسيرة الداعية سرعان ما تنتشر بين الناس.. والشائعات قد لا تقف عند حد.. والناس ينظرون إلى العلماء والخطباء بعيون بصيرة.. والناقد بصير.. وأعمال هؤلاء موضوعة تحت المجهر المكبر.
فصغيرتهم تضخم إلى كبيرة.. وكسرهم ليس له جبيرة.. ومن الأمثال السائرة:
"زلة الجاهل يغطيها الجهل.. وزلة العالم يضرب بها الطبل".
ومن الأبيات السائرة:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فالناس شديدو الرقابة للعلماء والدعاة.. والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.. ورقابتهم لا تنحصر في العالم والداعي نفسه.. بل يرقبون نساءه.. وأولاده.. وأحفاده.. ويتعلقون بأفعالهم.. ويستدلون بسيرتهم وسلوكهم.
والناس- إلا من رحم الله- يغلب عليهم الميل إلى التسويغ والترخص بأدنى الشبهات.
ولا يكفي أن يكون الداعي واقفاً عند حد الكف عن المنكر الذي ينهى عنه.. أو فعل الواجب الذي يأمر به أو الالتزام به أو الالتزام بالخلق الحميد الذي يحض عليه.
بل ينبغي أن يكون متميزاً عن غيره ممن يقتدي به بفعل النوافل والمسارعة إلى الخيرات.. والمسابقة إلى الطاعات.. والتشمير والمبادرة إلى كل خصلة كريمة، مع زيادة الورع، وقوة الشخصية، وصلابة الإيمان.
فهو قبل أن يأمر الناس بخير.. ينبغي أن يكون أسبقهم إلى فعله.
وفي نظري أن الداعية لكي تحمد سيرته وتزداد ثقة مستمعيه فيه ينبغي أن تتوفر فيه جملة من الشروط.. أهمها أن يكون:-
1- متواضعاً.
2- رفيقاً فيما يدعو إليه شفيقاً رحيماً.. غير فظ ولا غليظ القلب ولا متعنت.
3- عدلاً صائناً نفسه عن أسباب الفسق.. وما يجرح عدالته.
4- فقيهاً عالماً بالمأمورات والمنهيات شرعاً.
5- دينا نزيهاً عفيفاً.
6- ذا رأي، وصرامة، وشدة في الدين.
7- قاصداً بذلك وجه الله عز وجل وإقامة دينه.. ونصرة شرعه.. وامتثال أمره.. وإحياء سننه.. بلا رياء.. ولا منافقة.. ولا مداهنة.
8- غير متنافس في الدنيا ولا متفاخر.
9- ممن لا يخالف قوله فعله.
10- حسن الخلق
ولكم في رسول الله أسوة حسنة
قد جعل الله تعالى الأنبياء هم القدوة للبشر في الخير.. فهم الكمل في سيرتهم.. المصطفون في أخلاقهم.
ولو أن المشركين باختلاف عصورهم وأممهم وجدوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأخذاً في سلوكهم لطاروا به.. ولأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم.. ولجعلوه من أقوى حججهم في رد دعوتهم.. ولكن أنى لهم ذلك.
وها هم مشركو العرب يطأطئون رؤوسهم أمام عظمة خلق النبي (صلى الله عليه وسلم).. وكريم صفاته وخلاله.
ولطالما كانوا يتمنون لو وجدوا مغمزاً عليه (صلى الله عليه وسلم) في سيرته في شبابه أو في كهولته ليرموه به في كل مجلس أو يطعنوا به كلما دعاهم إلى الله جل وعلا.
لكنهم لم يجدوا بدا من أن يقروا له بالفضل، ويصفوه بأنه الصادق الأمين، وكفى بهاتين الصفتين برهانا في إقامة الحجة عليهم.
إن التربية بالقدوة من أهم وسائل التربية لاكتساب مكارم الأخلاق.. وذلك لأن الناس يتأثرون بالأفعال أكثر من تأثرهم بالأقوال.. وتبرز خصوصية القدوة العملية في عدة مزايا :
الأولى: أن الفعل لا يرد عليه شبهة التطبيق.. أما القول فممكن ورودها عليه.. فمهما كان علم المدرس أو الداعية أو العالم.. ومهما بلغ في وعظه فإنه قد يعتمل في أذهان الكثير ممن يسمعه.
هل يعمل هذا بما يعلم؟
وهل يطبق ما يقول؟
بينما لا يرد مثل هذا على العالم العامل إذا رأوا عمله.. وأبصروا سيرته.
الثانية: أن القدوة العملية تترجم القول إلى فعل.. والعلم إلى عمل.. والعمل ظاهر للجميع، مفهوم للجميع، في حين أن القول قد يخفى على بعض الناس مراميه ومقاصده.
الثالثة: أن القدوة العملية تقطع عن العمل شبهه المثالية أو الخيالية.. وأنه يستحيل تحقيقه أو يصعب جداً.
وهذه شبهة يتعلق بها كثير من الناس في زماننا.. فإنهم إذا دعوا إلى مكارم الأخلاق ومعاليها.. قالوا :
هذه مثاليات وأمور خيالية تعيش في الذهن ولا تحيا في الواقع.. وهي شبهة ليست بجديدة.. ونعوذ بالله تعالى من الخذلان.
إذا فليحرص الداعية على أن يكون قدوة صالحة لحيه.. وأهل مسجده ومن يعرفه فيدعوهم بفعله قبل قوله، وبعمله قبل علمه.. ولا يبعد المسافة بين القول والعمل.. فكم فيهم من عدو شامت.
قال أبو العتاهية :
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما *** إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيهما
كملبس الثوب من عري وعورته *** للناس بادية ما إن يواريها
وأعظم الذنب بعد الشرك نعمله *** في كل نفس عماها عن مساويها
عرفانها بعيوب الناس تبصرها *** منهم ولا تبصر العيب الذي فيها
وقال:
قد بين الرحمن مقت الذي *** يأمر بالحق ولا يفعل
من كان لا تشبه أفعاله *** أقواله فصمته أجمل
وليعلم الداعية أنه مهما بلغت فصاحته وتجلى بيانه.. ومهما بلغ من قوة الإلقاء ونصاعة الأسلوب.. فإنه لن يستطيع أن يقنع أحداً بفكره.. أو أن يستميل القلوب لدعوته ما لم يكن مخلصاً في دعوته.. نقيا في سيرته.
بل إنه مع ذلك لا يستطيع أن يسلم من غمز الناس به في سلوكه.. فليوطن نفسه على ذلك.
وكم رأينا وسمعنا من داعية مصقع.. لكن الناس يجلسون في خطبته جلوس المحكومين ظلماً.. وكأنهم يستمعون إلى قاض ظالم يتلو عليهم قرار الحكم.
وكم رأينا كذلك من خطباء يتمنى الحضور لو أن خطبة أحدهم تمتد ساعات.. وهذا شيء مشاهد معلوم.
فليس الأسلوب وحده أو البلاغة والفصاحة وحدها هي التي تجذب قلوب الناس وتحببهم في الخطيب أو الداعية.
ولن يستطيع الداعية أن يقف صادعاً بالحق واثقاً مما يقول وهو يعلم أن العيون تغمزه.. والقلوب تمقته.. وأنه ملوث السيرة، غير نقي الذيل.
فكأن الناس وهم ينغضون إليه رؤوسهم.. ويرمون إليه بأبصارهم يقولون بلسان حالهم :
يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا *** أبدا وأنت من الرشاد عقيم
هذا وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لطاعته وهداه .. وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الجمعة الموافق
18-8-1431هـ
30-7-2010م
| الإسم | السيد الغول |
| عنوان التعليق | مكملا للنقص00 |
| يأتى مقال الدكتور كمال مكملا لنقص فى تلك المواضيع والتى يفتقر اليه موقعنا هذه الايام0
ولا أدرى لماذا بعد ان ضيقت رئاسة التحرير على كتاب السياسة وتكرار مطالبتهم بترشيدها00 فلما لا نرى المزيد من الدروس الدعوية المتميزة وأقترح ان يكلف العديد من الافاضل أمثال الدكتور كمال بتحرير تلك المواضيع الدثمة 0ولأن مثل هذا الموضوع يخدم هدفه فقط بمعنى أنه لا يتطرق لفروع قد تذهب ببريق الموضوع كما يفعل الكثير من كتاب باب (دروس فى الدعوة ) 00أعتقد أن اليوم فقط وليس أمس 00 قد حان لنصنع من التخصص أساس فى موقعنا فمنذ نشأة الموقع باتت أغلب الكتابات إما مجاملة لرأب الصدع ولم الشتات وإمالخدمة هدف أساسى وهو لم الشمل حول الموقع وجعله المتنفس لعودة الاجتماع 00
ومع إعتبارى لتلك الاهداف إلا أن جعلها أساس دائم سوف يضر بالصنعة الاعلامية بمعنى أن عدم تخصيص كتاب للأبواب أصاب الموقع بالشتات والتناقد أحيانا ولم يصنع قارىء دائم للموقع 00فأعتقد أن الموقع يفتقر للتخصص وهذا من وجهة نظرى 0 |
| الإسم | أبو رضوان |
| عنوان التعليق | وهذا هو الفارق |
| فتح الله عليك وجزاك الله خيرا فشخصية الداعية هى سلاحه ودرعه وأول أسباب نجاحه وهذا هو الفارق الذى جمع الشباب حول الشباب والدعاة المخلصين ولذا كنت أحب أن تفرد للإخلاص عنصرا منفردا وليس ضمن غيره تنبيها على أهميته |
عودة الى دروس في الدعوة
|