بقلم محبك د. ناجح إبراهيم
يا سيدي يا رسول الله نتعلم منك في يوم مولدك وسطية الإسلام.. فلا غلو ولا تقصير.. ولا إفراط ولا تفريط.. لا تقديس للعقل على حساب النص.. ولا تغييب للعقل تماما ً حتى لو كان في فهم النص.
ولا صدام بين الدين والعلم.. فالعلم خادم للدين.. والدين حاث على العلم .. ولا تضارب بين الدنيا والآخرة.. فالدنيا هي مزرعة الآخرة.. ولا خلاف بين الأصالة والمعاصرة .. أو بين قوامة الرجل وحق المرأة وكرامتها.
فكل هذه التناقضات المزعومة يا سيدي يا رسول الله هي من تأليف وإخراج وإنتاج وصياغة العلمانيين الذين يرددون دائما ً للعقل أن يكون مصادما ً للنص .. وأن يظل العلم ضد الدين .. و يصورون للجميع أن الدين ضد الحضارة والتقدم والرقي في الدنيا .. وأن حقوق المرأة مصادمة لقوامة الرجل .
لقد كذبوا عليك وعلى الإسلام وعلى الناس يا سيدي يا رسول الله .. فقد جئت بالحنيفية السمحة التي لا اعوجاج فيها ولا التواء .. جئت لتقيم الوزن بالقسط .. بحيث لا نطغى في الميزان ولا نخسره في الوقت نفسه
" أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ "
فالطغيان في الميزان هو الإفراط والغلو المذموم.. وخسران الميزان هو التقصير والتفريط وهو مذموم أيضا ً .
لقد بعثك الله بالقسط بينهما لتعلمنا يا سيدي أن نكون وسطا وعدلا ً فلا نكون من الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالمعصية ولا المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب أو يقولون " إن فرعون موسى مؤمن" .
لقد علمتنا أن نكون وسطا وعدلا ً فلا نشابه اليهود الذين التصقوا بالمادة والدنيا وأهملوا صلاح القلب والروح حتى قتلوا الأنبياء وقدسوا الأموال وباعوا دينهم بدنياهم.. أو النصارى الذين ابتدعوا الرهبانية وتركوا إصلاح الدنيا وتعميرها.
" وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا "
أي أن الله لم يكتب عليهم الرهبانية ولكنهم ابتدعوها من عند أنفسهم.. ولكن الذي كتبه الله عليهم هو ابتغاء رضوان الله.
وأن نكون وسطا ً بين النصارى الذين غالوا في عيسى حتى جعلوه إلها ً أو ابنا ًللإله .. وبين تفريط اليهود الذين حاولوا قتلوه ورموا أمه الطاهرة بأشنع وأبشع الأوصاف.. فعدل الإسلام بين فريقين وأنصف سيدنا عيسى وأقر بأنه رسول من أولى العزم من الرسل.. وأقر لأمه البتول بالطهارة والعفة والصديقية والتقوى والصلاح.
وعلينا أن نكون وسطاً وعدلاً بين الشيعة الذين غالوا في على رضي الله عنه فجعله فريق منهم أنه أفضل من أبي بكر وعمر والصحابة أجمعين.. ونصبه فريق آخر في منزلة الأنبياء .. ورفعه ثالث إلي منزلة الإلوهية والربوبية .. وبين الخوارج الذين فرطوا في حقه ورموه بما ليس فيه ولم يعرفوا قدره ومكانته وبخسوه حقه وفضله.
وأن نكون وسطا ًبين العلمانيين الذين يقدسون العقل ويقدمونه على النقل الصحيح إن كان ثمة تعارض شكلي بينهما.. ويقولن إن العقل حكم على النص.. وحكم على كل شيء.. وهو المرجعية العليا للبشر أجمعين.
وبين بعض الإسلاميين الذين لا يرون للعقل دورا ً على الإطلاق ويريدون تغييبه حتى ولو كان ذلك الدور هو فهم النص وشرحه أو بيان ما غمض منه أو الوقوف على حكمه الخفية وأسراره ومقاصده.
فالإسلام لم يأت بتقديس العقول من دون الله.. ولم يأت أيضا ً بإلغائها ليعيش العباد في ضلالات الجهالة والغي.
فالإسلام أعطى للعقل دورا ً محدداً.. فالعقل البشري مهما كانت قدرته ومهما علا شأنه فهو قاصر بنفسه ويحتاج دوماً إلى نور الوحي وهدايته.
والعقل البشري مهما علا لا يستقل بالتشريع ابتداءً.. ولا يعلو أبداً على وحي السماء مهما كان.. وإلا ضل وأضل وفسد وأفسد.
فالعقل البشري يعمل في كل ساحات تعمير الكون باتساعها ورحابتها التي لا يحددها نص محدد أو التي لا نص فيها.. وهي أوسع وأشمل وأكبر من كل المساحات الأخرى.
فآيات الأحكام كلها في كتاب الله لا تتجاوز ثمانين آية.. فالمباح من الدنيا هو أوسع شيء فيها.. وللعقل أن يسبح فيها متفكرا ً ومبدعاً ومنشئاً لها كيف يشاء.
وهذه المساحة يطلق عليها بعض العلماء مساحة العفو التشريعي وهي ما سكت عن الشرع الحنيف وتركها للعقل ليبدع فيها كيف يشاء .. وهي أكبر المساحات على الإطلاق.
وللعقل أيضا ًأن يعمل في النصوص ظنية الدلالة.. وهي نصوص حمالة لأوجه كثيرة.. وهي مساحة قابلة للاجتهادات المتعددة.
وللمؤهلين شرعيا ً وعلميا ً الحق في إعمال عقولهم في هذه الدائرة الواسعة أيضا ً.. حيث أن معظم نصوص القرآن والسنة تدخل ضمن هذا الباب.
فمن رحمته سبحانه وتعالى أن جعل معظم النصوص الشرعية من هذا النوع .. ليجتهد العلماء فيها وتتغير الأحكام والفتاوى الفقهية الفرعية من فقيه إلى آخر.. ومن زمن إلى آخر.. ومن بلد إلى آخر.. توسعة على الناس وتيسيراً عليهم.. وإثراء للفقه الإسلامي العظيم المنوط به قيادة البشر من بدء الرسالة وحتى قيام الساعة.
أما النصوص قطعية الدلالة.. وكذلك عقائد الإسلام الراسخة وأركانه الثابتة فلا دور للعقل أمامها إلا التسليم والانقياد والإذعان.
إذ أن هذه عبادة العقول.. واختبارها من قبل الشرع للاستسلام والانقياد.. وخضوع العقل للشرع.. وقوله له "تعظيم سلام".
فها هنا أنا عبد وأنت رب.. وها هنا انتهى دوري.. وها هنا أقف عاجزاً.. فما أشرف هذا التسليم والعجز أمام الله وقدرته ووحيه وأمره .
فالعقل إذا تكبر على نور الوحي ضل.. وإذا رأى نفسه فوق الشرع هوى.
والشرع كان منصفا ً مع العقل فأعطاه أكبر المساحات ليصول ويجول ويفكر ويتدبر .. فأعطاه تعمير الكون كله.. وأعطاه آليات القياس.. ومنحه المصالح المرسلة وغيرها من مصادر الاجتهاد.
وأعطاه مناطق العفو التشريعي.. وأعطاه منطقة النصوص ظنية الدلالة.
فهل يتطاول بعد ذلك على سيدة ومولاه الذي خلقه وأعطاه كل هذه المساحات الشاسعة.. ليطلب بعد ذلك أن يكون إلها ً أو فوق الإله أو معلماً للإله سبحانه وتعالى.
لقد آن للعقل أن يحيا ويستيقظ ويصحو.. ولكن في ظل النص.
وقد آن للعقل أن ينهض مسترشداً بالنص.
آن للعقل أن يحتل مكانه الطبيعي تحت سقف النص.
آن لنا أن نعمل عقولنا لخدمة النص.
" أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ "
ألم يكن الشافعي يمكث ليلة واحدة ليستخرج من الآية الواحدة أربعين حكماً.
" فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "
فعلى الإسلاميين أن يعملوا عقولهم دائماً وألا يربوا الناس على إلغائه.. وعلى العلمانيين ألا يقدسوا العقل .. وأن يضع كل واحد منهم العقل في مكانة الصحيح.. وأن يعلم العقل الصحيح لا يمكن آبداً أن يعارض أو يصطدم مع النص الصحيح.
ولكن المشكلة دوماً في العقول المريضة .. أو إن صدقت في الأهواء والشهوات.
وعلينا أن نكون وسطاً بين الذين يرفضون الحضارة الغربية بكليتها.. وبين الذين يأخذونها بخيرها وشرها دون تمييز .
فالإسلام دين ديناميكي لا يخشى الانفتاح على الآخرين.. ولا يتوجس خيفة من التفاعل معهم .
فقد تفاعل من قبل مع كل الحضارات وذهب إلى أقاصي الدنيا ليس بجيوشه فحسب ولكن بدعاته وعلمائه وتجاره الذين أدخلوا الإسلام إلي كل مكان في أقصى الأرض.
لقد تفاعلت الحضارة الإسلامية مع الحضارة الفارسية والرومانية واقتبست منها بعض أنماط الإدارة ونظم الحكم وترتيب الجيوش وإقامة الدواوين (أي إنشاء الوزارات).. وتركت ما تعارض منها مع عقيدة الإسلام وثوابته.
إن موقفنا من الحضارات جميعاً ومنها الحضارة الغريبة هو موقف الاصطفاء والانتقاء.. نأخذ منها النافع لدينينا ودنيانا.. ونرفض الضار لهما أو الذي يصطدم مع شريعتنا وهويتنا.
"فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها".
إن الإسلام لم يمنعنا من الاستفادة من الآخرين ولكنة منعنا من أن نكون مجرد تابعيين لهم.. أو أن نتشبه بهم فيما هو من شعائر دينهم أو خصائص عقيدتهم.
أما ما سوى ذلك من تقدم علمي وعسكري وتكنولوجي وإداري وسياسي وتعليمي فلا حرج أن نأخذ منهم ونستفيد منهم.. ونتعلم على أيديهم لتطوير بلادنا وأمتنا وأنفسنا.
وأن نكون وسطاً بين دعاة الثبات والانغلاق حتى لو كان ذلك في الآليات والوسائل.. وبين دعاة التعبير حتى لو كان في مبادئ الإسلام وغاياته العظمى وأركانه الأساسية.
وعلينا أن نكون ثابتين فيما هو ثابت .. ومتغيرين فيما يقبل التغيير والتطور .. حتى يكون الإسلام مناسباً بل ومصلحاً لكل الأزمان والبلاد والحضارات والشعوب.
وعلينا أن نكون وسطاً بين الإسلاميين الذي استغرقهم العمل السياسي حتى النخاع نتحول عندهم من وسيلة إلى غاية..وأصبح بعض أبناء الحركة الإسلامية لا يدورون إلا في فلك السياسة حتى قلدوا وسائل العلمانيين فيها .. فأصبحوا يقومون بما يقومون به.. ويستحلون ما يستحلونه.. ويفعلون ما يفعلونه مستخدمين الكذب والغيبة والخداع والمكر والغدر والوقيعة.. ومؤخرين للأمانة والصدق والخلق الكريم والوفاء بالعهد إلى حين التمكين وإقامة الدولة.
حتى أصبحت هذه الأخلاق جزءً رئيسياً من أخلاقهم وطبعاً أصيلا من طباعهم.. فلا الدولة الإسلامية قامت.. ولا الدين الإسلامي بقي في النفوس والقلوب.
ولا نريد كذلك الذين يهملون السياسة بالكلية بدعوى التفرغ للتربية الإسلامية فيعكفون في المساجد أو قاعات الدرس فلا يشعروا بما حولهم ولا يعرفوا ما يحاك للإسلام في كل مكان ولا يدركوا شيئاً عن واقعهم الوطني والمحلي والإقليمي والدولي الذين يعملون ويدعون للإسلام فيه.
"فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"
ومن لم يعرف واقعه ولم يختلط بمجتمعه فكيف سيعرف ما يحتاجه من الدعوة وما يناسبه من الخطاب الإسلامي وما يصلحه من الأحكام والآراء.
يا سيدي يا رسول الله تعلمنا منك الوسطية في الدين.. ونحن مقصرون في العمل بها.. ولكننا سنسعى جاهدين للعمل بها وتعليمها لأبنائنا وتبليغها للناس.. عسى الله أن نكون من أهلها ودعاتها.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.