English الأحد 28 ربيع الأول 1431     14 مارس 2010
البحث التفصيلي
التفاصيلرسائل الموبايل : 15 مارس.. وأكذوبة الهيكل
خبر وتعليق

الأزهر في عهد شيخه الجديد:
سيكون أقوى
سيضعف أكثر
سيتلافى العيوب السابقة
سيكون همه رضا الحكومة فقط
اقتراعات سابقة

الأسير

بقلم/ سيد علي الطماوي

أطلت الشمس من شباك الحجرة واخترق شعاعها الأحمر اللامع فضاء غرفتنا الضيقة التي يندر أن تزورها الشمس إلا قليلا… وسقط شعاع الشمس على وجنتي فوقع حره على خدي كأنه سيف حاد مصلت.. وأنا ما زلت أتقلب في فراشي المتهالك الذي عفا عليه الزمن.. وحق له أن يصنع من خيوطه الممزقة هشاشة لجدي.. يذب بها الذباب والناموس عن وجهه.

أحسست بلسعة الشمس كأنها صفعة سجان قاسية لم أذق مثل مرارتها قط.

قلت في نفسي: حتى أنت يا شمس أخذت بنصيبك مني.

وضعت يدي على وجهي أتقي بها لسعات الشمس المتكررة.. ويبدو أن الشمس كانت تريد أن توقظني عندما رأت أن نومتي قد طال أمدها.. وكأنها تقول: لا تستسلم للنوم فما أطال النوم عمرا ً.. وما قصر في الأعمار طول السهر.

ويبدو أنني استجبت لمطلبها بعض الشيء.. فدفعت الغطاء بقدمي بعيدا ً عن جسدي حتى أنفد بجلدي من أسر النوم العميق.. هممت أن أقوم لكن حلاوة النوم جذبتني إلى الفراش فلم أستطع الخلاص.. فركت عيني بيدي كي أطرد النوم المتدفق على عيني كسيل جارف انحط من قمة جبل إلى قعره.. لكن يدي سقطت إلى جنبي ورحت في سبات عميق.

كل الكائنات فارقت أكنناها وخرجت من أعشاشها وضربت في أرض الله الواسعة تطلب الرزق من مولاها الرزاق.. لكنى ما زلت طريح الفراش المتهالك.. وكأنه يقيدني في كل موضع من جسدي.. القدمان كأنهما دقتا بوتدين عظيمين في أرض خراسانية.. واليدان ملتصقتان بالأرض وكأنهما صارتا جزءً منها.

استطاعت بعوضة أن تتسلل من أسلاك الشباك الذي لا يكاد يسمح بالهواء أن يدخل إلا بعد أن نتوسل له كل يوم ألف مرة ومرة.. انطلقت البعوضة نحوى كسهم فارق قوسه واستقر في وجنتي.. أحسست بوخذاتها في جسدي.. أخذت أتقلب لا أدرى من الألم أم من القلق.. رفعت يدي بحركة لا إرادية أهويت بها حيث تقف البعوضة.. ولكنها- وفى خفة متناهية – فارقت وجهي إلى حال سبيلها.

عادت مرة أخرى وأخذت موقعا ً جديدا ً وكأنها تتحداني أن أقبض عليها أو حتى أن أصيبها.. نظرت إليها خلسة بطرف عيني ثم أهويت بيدي عليها مرة ثانية.. ولكنها فعلت مثل ما فعلت في المرة الأولى.

شعرت بالذل المتناهي.. وأنا أصارع بعوضة لا أستطيع أن أصرعها.. ويبدو أن البعوضة قد امتلأت أحشاؤها وأكلت حتى شبعت وشربت حتى ارتوت فضربت بأجنحتها في الهواء.. وانطلقت بعيدا ً عني وهي تزهو بانتصارها عليَّ.. ثم تسللت من حيث أتت وبالتأكيد ستخبر أخواتها بما فعلت وستدلهم على هذا الصيد السهل الثمين .

وما أن أغمضت عيني للحظات حتى استطاع أحد النائمين بجواري أن يفلت من زمام النوم.. وينطلق ليقضى حاجته فتعثر في نائم آخر فسقط جسده الثقيل على رأسي كأنه صخرة تهدمت من قمة جبل.. صرخت بكل ما أوتيت من قوة.

ووجدت نفسي واقفاً واجماً محمر العينين منتفخ الأوداج أحملق في هذا الجسد الملقى على الأرض.. وفزع كل النائمين.. وانتفضوا واقفين ينظرون بذهول إليَّ وإلى هذا الجسد الطريح بجواري.. والذي رفع رأسه وأخذ ينظر إليَّ نظرة قلق واضطراب وهو يرى الدماء تسيل على وجهي.. وتمتم بكلمات مرتعشة تخرج من شفاه منتفضة.. معذرة.. معذرة..

ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة وأنا أمسح الدماء من على وجهي وأقول:

لا... لا... لا عليك.. لا تخف.. جزاك الله خيراً وبورك فيك... أنقذتني من أسر النوم...... وأنقذت إخواني أيضاً.

تمت


الإسمعمرو جميل
عنوان التعليققصة رائعة
أحب أن اسجل اعجابي بالقصة وطريقة كتابتها المميزة واستخدام التعبيرات ولتشبيهات الجميلة والمميزة أيضاً اسلوب رائع في الكتابة ومفاجاءة في النهاية غير متوقعة.. لقد استمتعت بهه القصة جدا وارجو المزيد من تلك القصص المكتوبة بذلك الاسلوب الشيق والمميز جزاكم الل خير والى المام دائماً

الإسمخلف عبد الرؤف المحامى
عنوان التعليقالأليق بمقام القصة
الأستاذ سيد يمتلك قلما رشيقا يتسلل به بخفة وهدوء ليصل إلى ما أراد فهو يكتب بنبرة هادئة وكأنه يهمس فى أذن القارئ فلا يزعجنا بلهجة حادة ولا يقرع آذاننا بقرقعة جوفاء فكلماته تنساب بيسر وسهولة ، وبساطة توائم بساطة الحكاية التى يقصها علينا ، وفى هذه القصة أراد أن يقول لنا رب ضارة نافعة ، وأراد أن يعلمنا كيف نستخلص الخير من بين براثن الشر ، كما تستخلص النحلة الشهد الحلو من قلب الزهرة ذات الطعم المر . اختار الكاتب لقصته مكانا وهو الزنزانة الضيقة المكتظة بالنزلاء ودون أن يخرج عن الموضوع أو يقف بين قوسين ليستفيض فى شرح ما يعانيه نزلاء الزنزانة ،ترك القارئ يستخلص ذلك من أحداث القصة نفسها ، والتى جاءت غاية فى البساطة ، نائم أصابه الخمول فجاءته جند الله تبعث فيه النشاط فشعاع الشمس يسلمه إلى قرصة البعوضة ، والأخيرة تسلمه إلى صاحب البدن البدين لينتصر على خموله لا عليه بالضربة القاضية . أبطال القصة شعاع متسلل على استحياء ، وبعوضة تعرف متى وكيف تلسع وكذلك كيف تهرب . وبدين ألجأته الحاجة لهجر الفراش . من بين هذه الشخوص الساذجة والحدث الذى قد لا يستوقفك أو تعيره اهتماما يسقينا الأستاذ سيد كؤوسا من العظة مترعة من غير أن يعظ أو حتى يشعرنا بوجوده فهو كامن تماما خلف الشخصيات ووراء الحدث . ولكن يعيب الأستاذ سيد طريقته فى إنهاء أحداث قصصه فمازلت أعتب عليه تقديمه للحل وذكر الخلاصة فى نهاية القصة(راجع تعليقنا على قصة العجوز) . فحديث النهاية الذى أورده على لسان الراوى فى قوله ( ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة وأنا أمسح الدماء من على وجهي وأقول: لا... لا... لا عليك.. لا تخف.. جزاك الله خيراً وبورك فيك... أنقذتني من أسر النوم...... وأنقذت إخواني أيضاً.) فقد كان الأولى أن يكتف الراوى بابتسامة ذات مغزى متوجها مثلا للوضوء لصلاة الضحى ليجد إخوانه خلفه يحجزون دورهم بين متمطٍ ومستغفر ومتثائب . فنفهم من الحدث ما أراد الكاتب أن يقوله شفاهة على لسان الراوى . فذلك أليق بمقام القصة . كل التحية والتقدير للأديب الرائع الأستاذ سيد.


عودة الى قصة قصيرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._