|
لماذا أنت؟ بقلم/ أبو بكر عثمان
قطع سكون العنبر صياح هستيري
لماذا أنا ؟؟.. لماذا أنا ؟؟؟
كان ذلك صوت أحد نزلاء المستشفى الجدد.. وهو في طريقه إلى أحد عنابر المرضى وحوله ثلة من أهله وطاقم التمريض.
خرج كبير أطباء القسم من مكتبه وصرخ في غضب:
يا بقر أتدخلونه بتلك الحالة إلى عنبر المرضى؟.. عودوا به إلى الاستقبال.
غرق الجميع في الدهشة والخجل.. لم يعتادوا من الدكتور عادل وهو دمث الخلق ذاك الغضب ولا مثل تلك الكلمة المسيئة.
عادوا من حيث أتوا.. والدكتور عادل في أثرهم.
قبض الدكتور عادل بقوة على يد طبيب الامتياز وجذبه إليه:
أتود أن ينتقل الانهيار النفسي إلى باقي مرضى العنبر؟
معذرة يا دكتور.. معذرة.. لم يدر بخلدي أنه سيفعل ذلك.. لقد صدر ذلك منه فجاة.
انتحى الدكتور عادل بأحد رفاق المريض:
أنت أحد أقاربه؟
أنا الأخ الأكبر لطارق.
ألم تعلموه بالأمر قبل ذلك؟
كلا.. لم يقو أحد على إخباره.. كنا نخشى عليه.. تركنا الأمر إلى آخر المدى.. فأخي شاب في مقتبل العمر وأمامه مستقبل واعد.
أتعرف.. كان يفترض أن يسافر آخر هذا الأسبوع إلى أوربا ليبرم صفقات لمصنعه.
لم يراود خاطره ولا أحدا منا أن يصاب بالسرطان.. لقد عرف الأمر من اللوحة المعلقة على واجهة المستشفى فحدث منه ما حدث.
أمر الدكتور عادل بإعطائه حزمة من المهدئات إلى أن نام.
أسكنوه في الحجرة الخامسة مع الحاج رضا.
لكن الحاج رضا في حالة حرجة يا دكتور لا تناسب حالة المريض النفسية.
أعلم .. افعلوا ما قلت لكم.
هكذا للدكتور عادل فكره وقراراته العجيبة وغير المتوقعة.. ولكن الجميع يقر بكفاءته وحكمته فيسلمون له ثم تظهر حكمته بعد.
حملوا طارقاً وأرقدوه في سريره بجوار سرير الحاج رضا.. الذي كان يرقد فيما بين الغيبوبة واليقظة.
فقد ظل لسنوات يطبب من المرض الخبيث حتى فقد السيطرة على جسده كله.. عدا رأسا يحركها ذات اليمين وذات الشمال.
لا يستطيع الصلاة إلا إيماء برأسه حال إفاقته، دائم الذكر في صوت واهن خاشع.
لم يأكل طعاما منذ شهور طويلة عدا تغذيته بالمحاليل مع الدواء الكيماوي الذي لا يقتل خلايا السرطان فحسب.. بل أنهك بدنه أيما إنهاك وكأن حال لسان البدن يقول للدواء :
اقتلوني واقتلوا مالكا معي
ومع كل ذلك ظل وجهه المضيء يحمل الابتسامة العريضة والألم العظيم في امتزاج فريد.. لا يملك الناظر إلى وجهه إلا أن يشعر براحة نفس وانشراح صدر.
أفاق طارق من نومه وجلس القرفصاء على سريره متأملاً ما حوله.. وحين أدرك أنه بالمستشفى أصابته نوبة بكاء وطفق يردد:
لماذا أنا ؟؟.. لماذا أنا؟؟.. لماذا أنا؟؟
فتح الحاج رضا عينيه وأدار رأسه نحو طارق:
لا حول ولا قوة إلا بالله!
ألح الحاج رضا على الممرضة أن تنزع عن يده المحلول الكيماوي وأن يحملوه على كرسيه المتحرك إلى سرير طارق.. وفعلت الممرضة ذلك في تردد وتبرم.. لأنها بذلك تخالف تعليمات الطبيب.
السلام عليك يا بني
نظر طارق إلى مصدر الصوت الواهن.. فرأى رأسا متصلة بأطلال جسد وثيابا تكاد تكون خالية إلا من هيكل عظمي.
كان صوت الحاج رضا واهنا بيد أنه يشع حنانا ورحمة.
وعليكم السلام
أنا عمك رضا.
وأنت؟؟
طارق عمار
أبشر يا طارق.. أبشر برحمات الله وكرمه.
ولكن لماذا أنا يا عم؟؟ لماذا ؟؟
لماذا.. وأنا الذي يحب الخير للناس؟
لماذا وأنا لم أوذي أحداً في حياتي.. فلماذا أنا؟؟
أتسأل سؤال اعتراض وإنكار.. أم سؤال جاهل يريد أن يعرف؟
سالت دموع طارق على خده ولم يجب.
بني.. العبد لا يملك الإنكار ولا يحق له ذلك.. وليس ذلك من أدب العبودية.. هو ملك لله حق عليه الإذعان والتسليم والرضا.. الله يفعل بملكه وعبده ما يشاء علماً وحكمة وبراً ورحمة.
أنا مسلم موحد يا عم
إن كنت حقاً مسلماً فاستسلم لقدر الله استسلام حب ورضا وذر الاعتراض والجزع وشاهد علمه وحكمته ورحمته.. ذاك المخبوء وراء ستار المقدور.. فالحبيب محال أن يريد إلا خيراً بمحبوبه.
إذا فأنت أيضا لماذا يا عم؟
سؤال اعتر..
لا .. لا.. بل سؤال من يريد أن يعرف
ابتسم الحاج رضا ثم انقبض وجهه سريعاً.
بني: أنا استحق أكثر من ذلك وأكبر.. ولو عاملني بآثامي وأجرى عليًَ سيف عدله لمحقني محقاً.. لكنه أحسن إليّ.. فترك لي رأساً تومئ بالصلاة ولساناً يذكره ويشكره ويستغفره.
ما أصابني فبما كسبت يديًَ ويعفو عن كثير.. من يا بني، من يستطيع أن يؤدي بعيض حق العظيم الجليل؟
من يستطيع أن يعبده حق عبادته؟.. يشكره حق شكره؟.. يذكره حق ذكره؟
بكى الحاج رضا حتى أغشي عليه.. فسارعوا بحمله إلى سريره وأعادت الممرضة وضع المحاليل في ذراعه.. ومكث من حوله ساعة من نهار يرقبونه في حب وقلق إلى أن فتح عينيه وابتسم ثم نام.
اقترب رجل ممن كان يحيط بالحاج رضا من سرير طارق
أنا سعد.. والحاج رضا هو عمي واستمعت إلى حديثه معك.. فلا تظنن بالشيخ الظنون لما حدثك عن ذنوبه.. فو الله ما كان إلا قواماً صواماً.. أنفق جل ماله في مراضي الله، لكنه يحتقر نفسه ويمتهنها في ذات الله تعالى.
دوما لا يرى إلا ذنبه يسد عليه الطريق.. يرى عظيم حق الله عليه.. لا يستطيع له وفاء.. ومن من الخلق يقدر على ذلك أو يقارب؟؟
اقترب طارق من سرير الحاج رضا وجلس قريباً منه محملقا في وجهه مترقباً يقظته ولم يطل ترقبه.
خدعتني يا عم رضا، علمت أنك صوام قوام جواد.
ولكن لماذا أنت؟.. وأنت أنت؟؟
بني ما خدعتك بل صدقتك.. ولكن خدعك من بهرجني عندك.. أنا أحقر مما يظنون.
لم تجب يا عم لماذا؟
نظر الحاج رضا من النافذة إلى السماء ثم التفت إلى طارق:
الأمور بني ليست بظواهرها.. العبرة بالعواقب والمآلات.. العبرة بالنهايات.. فالبلايا والمصائب منن وجوائز يبصرها من كان له قلب وبصيرة.
المحن معبر إلى المنن، فكل نقص في الدنيا زيادة في الآخرة، وكل زيادة في الدنيا نقص في الآخرة.
ولم يا عم أهل الإحسان والصلاح؟؟
هي علة الخلق وحكمة الوجود "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ".. هو امتحان الخلق في عبوديتهم حال السراء والضراء.. يبتليهم ليطهرهم ليجتبيهم ويصطفيهم.. البلاء دواء من الغفلة والسكرة.
خيم الصمت وسكت الحاج رضا مليا.
أفهمت يا بني.. إن لم تفهم هذا فلن تفهم أبداً.
أغمض الحاج رضا عينيه.. ونهض طارق ومدَ جسده على سريره وعيناه مفتوحتان يحملق في سقف الحجرة.. وطفق يتفكر في كلمات الحاج رضا.
لم يفهم كل كلماته لكنه عرف مراميها.. كثير من الكلمات كانت مجملة غامضة لكن روحها كانت جلية.
خفت الفزع في نفس طارق.. وإن لم ينطفئ، وانزوى قلقه.. وإن لم يذهب، وضعفت آلامه النفسية.. ولما تنتهي بعد.. لكنه أدرك أنه يسير على طريق آخر غير الذي كان.
استيقظ طارق من نومه العميق ونظر إلى سرير الحاج رضا فوجده خالياً.. سأل الطبيب فهز رأسه ولم يجب.. ورأى دمعة تسقط من عينيه، فأيقن أنه مات.
مات الحاج رضا وطارق في أمس الحاجة إليه.. فلديه أحاديث كثيرة وتساؤلات كبيرة ود لو سمعها وأجاب عنها العم رضا، لكنه مات.
نهض طارق من سريره ثم نام في سرير الحاج رضا.
سألته الممرضة:
هل ستنام هنا؟
نعم.. سأكون أنا في مكانه.
- تمت -
| الإسم | الطامع فى عفو الله |
| عنوان التعليق | نفاذ البصيره |
| اللهم رضنا بقضائك وبارك لنا فى قدرك واجزى عبدك ابو بكر عثمان خير الجزاء سلمت يمينك يا شيخى الكريم فمن اعمالك يا سيدى تتجسد المعانى الايمانيه والتى تعلو بنامن ماديتنا الى روحانيتنا وتجردتنا من كل سخط عياذا بالله منه فبحق من رفع السماء بلا عمد انى احبك فى الله . |
| الإسم | شمش |
| عنوان التعليق | لابد من اللجوء الى الله عز وجل |
| احسنت ياشيخ أبو بكر ، ايماننا ضعيف وصبرنا قليل، وجهدنا فى أداء الشكر محدود ، ننسى دائما نعم الله علينا، ونرفض دائما الواقع ، وخاصة اذا كان مريرا ، لكننا وبحمد الله نعود سريعا ، فلنا رب كريم جواد ، يختبرنا لنلجأاليه بالدعاء، فليس لنا رب سواه ندعوه
بارك الله لك وجزاك خيرا ان شاء الله |
| الإسم | تراجي الجنزوري |
| عنوان التعليق | سلمت يمينك |
| ماشاء الله..ماشاء الله..لافض فوك شيخنا الحبيب وجزاك الله خيرا.. وأشهد الله أني احبك في الله . |
عودة الى قصة قصيرة
|