|
قصة قصيرة .. أوراق رجل لم يهزم بقلم/ هبة الله محمد حسن
لم تكن الأمور على ما يرام.. كنت أعلم هذا.. لكنه كان شيئا ً عاديا ً.. فمنذ متى كانت الأمور على ما يرام .. في عالم أفضل كان يمكنني أن أكون مهندسا ً محترما ً أو كاتبا ً مشهورا ً.
حقيقة لا أعرف إن كنت وقتها سأكون سعيدا ً أم لا.. لكنني على الأقل كنت سأعرف أنني أخذت حقي كاملا ً.
أنهيت اليوم أول وآخر تلميذ لدي أدرسه الرياضيات.. الوحيد في العالم الذي يراني عبقريا ً ويتابعني بعينين لا تكفان عن الاندهاش.. أنا أيضا كنت أراه كائنا ً غريبا ً.
هل ما زال هناك من يهتم بالمعادلات .. وإن كان سيحرز مجموعا ً كبيرا ً أم لا ً؟!!
إن الطرق كلها متشابهة وستفضي في النهاية إلى اللا شيء.. وستجد أمامك صفرا كبيرا ً هو محصلة كل نجاحاتك وسقطاتك.. فراغ كبير تقف فيه في عالم لا يهتم بالإنسان ولا يعترف به.
تمنيت له نجاحا ً باهرا ً.. وبصعوبة كنت امنع نفسي من صب إحباطاتي على رأسه.
كانت لديه خطط مدهشة تكفي لجعله أينشتين .. وكانت تثير حماسي أنا الآخر بالرغم من علمي بأنها في الغالب لن تتحقق.
من يدري ربما تحدث معجزة ما تحميه من التحول إلى بائس آخر؟!!!.
عندما خفت حدة الشمس خرجت إلى الشارع أجول على قدمي وأراقب مهزلة الحياة.. ذهبت إلى أحد باعة الكتب القديمة أعرفه جيدا ً.
كان الرجل يعتقد أنني أعمل في وظيفة محترمة مادمت قادرا على شراء هذه الكمية من الكتب .
لم يعلم أن هذا هو نصف دخلي تقريبا ً.. وأعطي النصف الآخر لأبي حفظا للقليل الباقي من ماء وجهي.. دخلي الغير قادر على شراء أي شيء كامل تقريبا.. ربما يشتري نصف حذاء أو ربع سروال لكنه لن يشتري أحدهما كاملا ً أبدا ً.. هكذا حملت مخزوني الشهري وعدت خاوي الجيب..
أعشق ملمس هذه الكتب والتقليب فيها.. بل والتواجد معها فقط.. وضعتها بجواري على السرير.. أمسكت أول كتاب فوجدت على الصفحة الأولى منه تعليقا طريفا ً كتبه أحدهم:
هذا المؤلف لا يقول الحقيقة كاملة.. وإنما يهرب منك في الوقت المناسب وينطبق عليه قول الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب
لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام من طرافة التعليق.. عندما أمسكت الكتب واحدا وراء الآخر وجدت أنها كلها تقريبا ً تحمل تعليقات هذا الرجل مذيلة باسمه.. وعمله الذي تقاعد منه كما أوضح هو.. على كتاب آخر لوداد سكاكيني كتب:
الأستاذة وداد
بعد التحية
أعترف أنني أعشق كتاباتك كلها والحقيقة أنني كاتب زميل.. لكن كتبي تحت الطبع لم تطبع بعد
بالرغم من الكلمات بدت ساذجة ومضحكة ..لأن كتبه لم ولن تطبع نهائيا ً.. إلا أنني شعرت بلمسة مرارة غريبة فيها.
وشعرت بها تنمو أكثر فأكثر مع تسلسل التواريخ.. كانت معظم التواريخ قريبة إلى حد ما.. العام نفسه تقريبا ً.
على كتاب آخر لحلمي مراد كتب:
أستاذ حلمي
أنت من أعطيتنا أملا ً في الحياة عندما نشرت صورة ابنتك نادية في صفحة الوفيات في جريدة الأخبار.. وفتحت لنا باب الأمل على مصراعيه بعدما نشرت كتاباتها.. لعل حياتنا تستمر في اتجاهين مثلما استمرت حياتها.. إن كلماتها التي خلفتها وراءها قد منحتها الخلود للأبد.
بدت لي كتابات الرجل كمشهد من كوميديا سوداء.. هذا الرجل الذي يكتب لهؤلاء المشاهير كأنه يعرفهم معرفة شخصية بينما الألم يقطر من كلماته.
وبدأت أشعر أنني أعرف الرجل منذ زمن.. صفحات كاملة استخدمها كمذكرات شخصية يحكي فيها عن نفسه.. عن أبناءه وجيرانه .. وفي صفحة أخرى عن زوجته التي كادت أن تتخلص من كتبه لكنه أنقذها قبل أن تحدث الكارثة.
صفحات وصفحات يحكيها بأسلوبه الساخر المرير.. أوراق رجل مهزوم يقف على البوابة الأخرى للحياة.. بوابة الخروج ينتظر دوره.. يشعر بالملل أحيانا وبرغبة في البقاء أحيانا أخرى.. لكنه في النهاية ينتظر.
انتفضت بداخلي رغبة في أن أرى هذا الرجل.. أن أعرف من هو.. غدا أبحث عنه..
لم أعتقد أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة.. كان معي اسم الرجل ومكان عمله السابق فذهبت إلى هناك مبكرا ً.. ذهبت لكنني عندما رأيت أفواج البشر قررت أن أعود أدراجي.. ربما آتي في وقت آخر.
حاولت قبل الذهاب أن أسأل .. ولكن لم يكن هناك من لديه استعداد حتى لسماع صوتي فقط.. قذفني واحد إلى آخر.. إلى الذي يليه.. فقررت أن أهرب حتى يختفي الزحام.
عندما عدت ثانية قبل موعد رحيل الموظفين بنحو الساعة وجدت شيئا ً غريبا ً.. وجدت تلك الكائنات الكئيبة المتجهمة التي قابلتها في بداية النهار تتحول إلى بشر.
لأول مرة اكتشف هذا التوقيت السحري الذي يخلع فيه هؤلاء أقنعتهم ويبدءون حياتهم العادية.. كان المكان رائقا واستقبلني الجميع بترحاب.
كان هناك خليطا من الذكريات المشوشة حكاها لي بعض من عملوا معه.. اعتقدوا أنني ابن لصديق قديم له حصلت على عنوانه وأنا مازلت مندهشا.
ذهبت إلى العنوان على الفور.. توقعت أن يكون المكان متواضعا ً.. لكن ليس إلى هذا الحد.. عمارة مهترئة تتساءل كيف مازالت واقفة مكانها إلى الآن!!!.. بلا بوابة كمساكن الكلاب.. لو أراد أي لص أن يدخل فسيدخل بسهولة دون أن يسأله أحد إلى أين أنت ذاهب؟ .. لكنه يعرف بالتأكيد أنه لن يجد شيئا هنا.
صعدت شاعرا ً بالاختناق.. ذلك الشعور القديم الذي كنت أحسه عندما انحشر في فتحة القميص.. وصلت إلى الشقة المطلوبة وطرقت الباب.. انتظرت فترة قبل أن يفتح لي شاب.. سألته عن الرجل .. وبالطبع أخبرته أنني ابن لصديق له:
يبدو إنك لم تزره منذ فترة.
آه.. نعم.. مشاغل.. أنت تعلم..
يمكنك أن تتفضل.. أنا ابنه..
أحمد؟..
نعم.. يبدو انك كنت تعرفه جيدا..
عرفت اسم ابنه وأفراد عائلته من الصفحات التي كتبها.. دلفت إلى الشقة الصغيرة..في المواجهة كانت هناك مكتبة عتيقة كادت الكتب أن تقفز منها.
جلست على أريكة صغيرة كان عليها كيس صغير به كتب كما ظننت.. أزحته جانبا وجلست :
ما زال يحب القراءة جدا
نعم.. رحمه الله..
تجمدت وأنا اسأل:- هل مات؟
نعم منذ أربعة أشهر تقريبا..
أطرقت.. لم أجد ما أقوله.. لكنه عاد واستأنف الحديث قائلا:
من الغريب أنه لم يحدثني عنك
آه.. ربما يكون قد نسيني.. إن الحياة تلهي الجميع.
معك حق..
صمت للحظات ثم بدا عليه الحماس فجأة.. قام إلى الكيس المكوم بجواري.. أخرج كتابا منه وأعطاني إياه.
توقعت أنه سيريني إحدى تعليقات والده الموجودة على الكتب.. بالفعل كان اسمه موجودا ً.. لكن على الغلاف لا بداخل الكتاب .
نعم كان أحد كتبه التي تحت الطبع قد طبع أخيرا.. رفعت إليه عينين متسائلتين:
هل.........؟
نعم.. تصور وجدت العديد من القصص في درج مكتبه.. عرضتها على صاحب دار للنشر فتحمس لها الرجل كثيرا ..وهناك كتابات أخرى له لكنها تحت الطبع.
لم أعرف ماذا أقول سوى:- هذا رائع
أخذت نسخة منه وخرجت على وعد بزيارة أخرى.. وعندما ضمني الشارع كنت مازلت أتمنى على الأقل أن أصبح مثله.
تمت بحمد الله
الجمعة الموافق
13-7-1431هـ
25-6-2010م
عودة الى قصة قصيرة
|