|
قصة قصيرة.. البيت بقلم/ محمد فطومى
لطالما حلمت أن أملك بيتا ككلّ النّاس.. طبعاً وأنا أنتقل من بيت إلى آخر رأيت الهول وترهّل أثاثي وفقدت الكثير من ثيابي وكتبي.. وأصبحت أشكّ بأنّ هناك شقيّ عداي.. الإيجار نتف ريشي.. و ثقب جيبي.. وأجهز عليّ اليأس وانعدام الحلول.
أمّا الآن فقد زال عنّي هذا العبء الثّقيل.. ولم أعد مديناً لأحد بفلس واحد.. ولن يكون لي موعد شهريّ مع الإهانة واضطراب في دقّات القلب.
وسوف لن اضطرّ لطلب تمديد بأسبوع.. ولا لتحمّل الحوارات العقيمة والمملّة مع أصحاب الشّقق.. والتي تكون في غالبها وعوداً بالتّرميم وتغيير الواجهة أو إعادة طلاء البيت.. أو تجهيزه بالطّاقة الشّمسيّة.
صحيح أنّ البيت الذي اشتريته ليس فاخراً.. ولكنّه يفي بالغرض وسعره مناسب جداً.. فمساحته كبيرة.. وبه حديقة.. وهذا في حدّ ذاته رائع.
وهو عبارة عن طابق أرضيّ.. جدرانه قويّة وليس بها شقوق.. وسقفه صلب وليست به آثار تدلّ على أنّه يقطر حين تنزل الأمطار.. زد على ذلك أنّ موقعه جيّد والحيّ هادئ.. وغير بعيد عن مقرّ عملي.
أيعقل أن يكون قد ابتسم لي الحظّ هكذا مرّة واحدة؟!!!
أنا الذي تعوّدت أن أشتري كلّ ما يحصل عليه البقيّة بحظّهم الصّرف؟
أنا لا أصدّق.. أخيرا أعتقت رقبتي من مذلّة الإيجار اللّعين؟
الشيء الوحيد الذي ينكّد عليّ فرحتي هي كلمات صديقي حسام حين رويت له قصّة الحاسوب الذي اشتريته من صاحبه.. ظنّا منّي بأنّه فرصة لا تعاد إذا نظرنا إلى مواصفاته الخارقة مقارنة بسعره الزّهيد.. ثمّ اتّضح بأنّه لا يعدو أن يكون علبة من الكرتون.
قال لي يومها:
لا ترهق نفسك يا صديقي.. و اسمع منّي ما سأقوله لك وإيّاك أن تنساه:
"إذا وجدت نفسك يوماً في نعمة ما.. فمن المؤكّد أنّ هناك خطأ ما.. وإذا صادف وأن عثرت على شغور ما.. فتأكّد بأنّه ترك لعيب فيه.. وليس لأنّه قد انتسي.. وإيّاك أن تفكّر لمجرّد لحظة أن تلتقط علبة سجائر ملقاة على الأرض علّها تكون قد سقطت لأحدهم.. لذلك عليك أن تفرح حين تشقى.. لأنّ الشّقاء وضع طبيعيّ.. لا يخدع صاحبه أبداً".
أيكون قد قال لي ذلك.. لأنّ زوجته الأجنبيّة قد خذلته بعدما أحبّها ما يقارب السبع سنين قبل الزّواج.. وكان يعتبرها خياليّة المواصفات؟
هذا جائز.. لاسيّما أنّ طريقة تفكيره قد تغيّرت برمّتها.. ولا أكاد أتعرّف عليه طيلة الفترة الماضية.
في البداية كان يراهن كثيراً على حياة زوجيّة سعيدة معها.. وأظنّ أنّي خشيت عليه صدمة السقوط من برج السّعادة الشّاهق الذي وضع نفسه فيه حين قال لي : "بأن ليس بمقدوره أن يستبدل أمّه بأجنبيّة وأخته بأجنبيّة.. وإلاّ لفعل دون تردّد".
ولكن بعد سنتين من الزّواج خاب أمله وهذا ناتج حسب تقديري الشخصي على أنّه حمّلها ما لا يمكن أن تقدّمه امرأة على وجه الأرض.
وهنا وفي هذه النقطة بالتّحديد ربّما يصدق المنهج الذي يسلكه صديقي سميح في الحياة.. والذي تحوّل إلى مبدأ من فرط إيمانه به.. ويتلخّص في ما يلي: "لا تستشر ولا تخطّط لشيء سلفاً.. وحاول دائماً أن تضع نفسك والآخرين أمام الأمر المحتوم"
إذن وحين أجمع كلّ هذه القرائن والتّحاليل وأغربل ما هو صحيح منها.. وأضيف إليها ما يقوله لي أبي دائماً في جميع المواقف تقريباً: "احذر.. فشمالك هو يمين الآخرين"
وبعد تأكّدي التّام بأنّي لست أطوّع الأمور لصالحي لا أكثر.. فإنّي أجزم بأنّ كلمات حسام أو نصائحه كما أراد لها أن تكون واهية.. ومردّها الوحيد هو عقدة نفسيّة وفقد للثّقة في جميع من حوله.. وحكم في المطلق خلّفتها إيّاه عنف الصّدمة وخيبة الأمل التي راح ضحيّتها.
ورغم ذلك.. فأنا لا أخفي بأنّه استطاع بسرّ خفيّ لست مجهّزا كفاية لشرحه.. بأن يجعلني أتباطأ في موضوع الزّواج.. وأراجع حساباتي حياله.
ربّما أسرني وصفه لمعاناته اليوميّة داخل بيته وأجبرني على الاتّعاظ وأخذ العبرة عنه..
في آخر حوار لنا قال لي حسام باحتقان شديد دلّت عليه حمرة في عينيه:
"إذا اقترحت عليها أمرا ما.. و لم يرقها.. فإنّها علاوة على أنّها ترفضه بالقطع.. ودون أن تعطيني فرصة لإقناعها.. فإنّها تفتح معي تحقيقاًعريضاً حول تجاسري وجرأتي على طرحه أصلاً.. ولا ينفّذ المشروع.. أمّا إذا اقترحت عليّ أمرا لا يعجبني.. أو فلنقل فيه خراب بيتي فإنّها لن تكتفي بموافقتي الفوريّة.. بل وتتّهمني بالتّردّد ونيّة واضحة في إعمال العقل..وينفّذ المشروع.."
الآن فقط بوسعي أن أصرّح بأنّي نكّلت بأفكاره وبالزّاوية التّي يرى من خلالها الأشياء.
وأصبح بإمكاني أن أعلن أنّي المالك الجديد للبيت وأوزّع فرحتي به هنا وهناك.
ودون تردّد رحت أتجوّل في المدينة لأستوقف أصدقائي ومعارفي.. والتّجّار الذين أتعامل معهم- كحريف طبعا.. فأنا لم أفلح يوماً في أن أبيع شيئا ما لأيّ كان.. وهذه قصّة أخرى-لأسمع و إيّاهم لساني وهو يتلفّظ عبارات النّصر والشّماتة.
وكان أوّل من اعترضني عبد الغنيّ بائع السّمك.. وأخبرته بأنّي اقتنيت بيتا لتوّي.. وقد أكسبتني معنويّاتي المرتفعة مهارة عجيبة تقضي بإقصاء جميع المواضيع الأخرى، وإخضاع من يخاطبني إلى حالة من التّنويم المغناطيسي.. تجعله يبادر بسؤالي عن إقامتي الحاليّة دون أن يشعر بأنّي أنا من دفعه إلى ذلك.
تعرّف عبد الغنيّ على البيت بسهولة ظننت أنّ مصدرها ندرة الفرص من هذا النّوع.. وإذا به ينتفض كالمصعوق قائلا:
"ماذا؟.. أعد ما قلت.. اشتريت بيت الشّاذلي الأخنّ؟.. هل جننت؟
ثمّ هدأ قليلا.. و أضاف بلهجة أقرب للاعتذار.. عادة ما يستعملها الإنسان إذا داس على قدم امرأة عن طريق الخطأ:
كان عليك أن تتمهّل.. وتسأل عنه جيّدا قبل أن تتسرّع.
قلت وقد تخثّر الدّم في عروقي وأحسست بيبس فوري في حلقي:
ما به البيت؟.. هل تعرف عنه شيئا سيّئا؟
بدأ عبد الغنيّ يتراجع في أقواله وأجاب:
لا..لا.. ليس هناك شيء بالتّحديد.. ولكنّي فقط أرى بأنّك اتّخذت القرار ونفّذته بسرعة لا أكثر..أرجوك لا تمسكها عليّ حجّة.. فأنا ثرثار وأستحقّ قطع لساني في بعض الأحيان.
ولم يضف شيئاً جديداً.. خلاف تهنئة ليته لم ينطق بها.. كان لها مفعول خرقة قماش مبتلّة مسح بها وجهي في عزّ الشّتاء.
ولست أدري آنذاك لم حسدته.. وعلى ماذا ؟!!!.. ولكن دون أن أتخيّل نفسي مكانه.
ولمّا أخبرت صاحب الشقّة التي أؤجّرها بموضوع البيت.. امتعض هو الآخر وكانت إجابته مماثلة لما قاله لي جعفر.. ولم يكشف لي عيوب البيت وقدّم لي عبارات التهنئة كأنّه يستلّها من الشّوك.. فتفاقمت مخاوفي ولم تتأكّد كليّا إلاّ حينما تلقّيت اللّوم والتأنيب من قبل كلّ من علم بالخبر دون استثناء.. و دائما دون الإفصاح عن مكمن الكارثة.
أحسست بإحساس الخيبة الذي يعتريك حين ترفع سطلا مغلقا.. ظنّا منك أنّه مليء وثقيل.. فيتّضح لك عند انتشاله أنّه فارغ.. وخجلا من نوع خاصّ يرافق عادة فشل من راهن على النّجاح لأوّل مرّة في حياته.
وتملّكني شعور كابوس بأن لا حديث لأهل المدينة سوى عنّي وعن حمقي.. وأنّي أصبحت مضرباً للأمثال في الغفلة والغباء.
وبدأت فعلا أقرأ.. أو هكذا صرت أتوهّم- نظرات الشفقة في أعينهم جميعاً.. كبيرهم و صغيرهم.
وبمرور الوقت صار لا يفارقني وأنا أخرج من البيت أو أعود إليه خجل يشبه إلى حدّ بعيد ذاك الذي يشعر به كهل باذخ الأناقة يتعثّر أمام مجموعة من الحسناوات.. أو امرأة من الطّبقة الغنيّة في مطعم فاخر جدّا.. انتهت لتوّها من الأكل فأخذت تتعارك مع خوخة ناضجة جدّا،أمام بقيّة الزّبائن وهي تقطر على الطّاولة وتسيل على ذقنها ويدها إلى المرفق.. وصوت امتصاصها لها يسمع من الخارج.
كان آخر ما سمعته من كلام عتاب،عبر الهاتف.. لمّا علم ابن عمّتي خالد بالخبر.
كان يبدو أنّه يتعذّب في انتقاء ألفاظه بشكل يجعل وطأة كلامه خفيفة.. ولا توحي بأنّي اقترفت جرما في حقّ نفسي.
وخطر لي وهو يخاطبني ويدّعي اللّين أنّ هناك مسائل في حياة البشر لا يخاض فيها إلاّ بعنف وسفاهة،ولا يمكن مهما حاولنا، تهذيب تعاملنا معها، وإلاّ ازدادت عقما وتعقيداً.. تماما كما لو أنّ أحدهم حاول أن يحكّ مؤخّرته بطريقة أنيقة وفنّيّة..
أيكون البيت مبنيّا على رأس كلب كما يقول المثل؟!!!.. أو متداعياً للسّقوط وأنا آخر من يعلم؟!!!
هيئة البيت من الخارج مغرية.. ولا تحيط به هالة الأطلال الموحشة التي قد تنبعث من منازل فخمة.
في البداية رحت أقلّبه من الخارج، صعدت إلى السطح، وتأمّلته من أعلى.. ثم من أسفل.. فتحت نوافذه وأبوابه عشرات المرّات.
ليس هناك خلل أو عطل في التّجهيزات الصحّيّة أو الكهربائيّة.. أو استعصاء في الأقفال.. والأرضيّة ملساء ومسطّحة وكلّ شيء يستجيب دون أدنى مقاومة كأنّ أشغال بنائه انتهت لتوّها.
عقد البيت والشّراء سليم.. وبقيّة الوثائق قانونيّة ومسجّلة ومطابقة ولي فيه شهادة في الملكيّة واضحة لا ريب فيها.. ولم ألاحظ أنّ هناك من يشاركني فيه من مخلوقات أخرى.
إذن أين الخطأ؟
وأحاطت بي الأسئلة والوساوس من كلّ جانب وكلام النّاس وأمثلة الأوّلين أصبحت تمزّق دروعي.. وتنحر خيول التّصدّي بداخلي وتنبأني بأنّها لم تكن سوى قطعة قماش مهترئة وهنة في مهبّ الرّيح.
ومناعتي التي أدّعي أنّها قويّة ولا تهتزّ للشّائعات ،لم تجنّبني مشقّة البحث.. ولم تسعفني حتّى في تغيير الزّاوية التي أرى من خلالها الأشياء.
وبالرّغم من حصص التعذيب التي أخضعت لها البيت.. فإنّه بقي صامدا لا يقرّ بما نسب إليه.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقيّة.. فالأخطاء المحجوبة أفظع من المصائب المرئيّة المحسوسة.
و هذا ما يشجّعني على تكثيف حملات التّفتيش و البحث.. و يغذّي عقلي البسيط بالمكر.. وأساليب المراوغة التي لا أنتبه إلى امتلاكها إلاّ وأنا أستعملها.
تخلّيت عن جميع اهتماماتي و أصبح هدفي الوحيد هو الإيقاع بالبيت،و حلّ اللّغز و اللّحاق بركب العارفين بخفايا الأشياء و أسرارها.
ولاحظت بمرور الوقت أنّ شعري بدأ بالتّساقط من جرّاء التّفكير المتواصل.. ولم أجد وقتا لأتنكّه لذّة الاستقرار.
وأصبحت أتبنّى نهجاً جديدا في العيش:
"أن أدع الأحداث تسير كما يحلو لها دون تدخّل منّي.. و أن أؤجّل الشّأن الذي بين يديّ إلى حين لا يبقى لي ما أفعله سواه.. فتفاقمت الشؤون وتراكمت وأصبحت متأكّدة أكثر من الأول وتكوّمت.. وكلّها تنتظر أن أفرغ.. ولا يبقى في دائرة انشغالاتي سواها".
ساعات العمل الطّويلة تنتشلني كرها من مواصلة التّنقيب عن الخطأ المزعوم.. لذلك ارتأيت أن أقوم ببعض الصّور الفوتوغرافيّة للبيت من الدّاخل والخارج، وبذلك سيتسنّى لي استكمال رحلة البحث وأنا في مكتبي.. وهذا ما فعلت.. ولكن دون جدوى.
أنا لا أبالغ.. أو أهوّل الأمور كما قد يبدو.. ولكنّي أنقل ما أحسست به في تلك الفترة.. مع إخفاء بعض الجوانب التي لن أقبل على نفسي إذاعتها بين النّاس ،لأسباب عديدة،أهمّها أنّ الأمانة الأدبيّة قد لا تشفع لصاحبها في بعض الأحيان حين تلتصق به كنية كريهة..
السّؤال المطروح و الذي يؤرّقني دون سواه هو كيف استطاع النّاس معرفة الحقيقة من الخارج.. ولم أتوصّل إليها أنا من الدّاخل؟
ألست الأجدر بتلقينها لهم.. لا العكس؟
وكيف تسوّل لهم أنفسهم أن يروّجوا الأخبار لمن يعيش في قلب الحدث؟
ولكنّ المفرح حقّّا بعد كلّ تلك المعاناة.. هو أنّي شفيت من داء التّحقيق مع الحجارة والهواء والتّراب.
وأقول قولي هذا.. وأمامي الآن لوحة خشبيّة أنيقة بعد قليل سأكتب عليها:
" بيت للبيع أو للإيجار ورقم هاتفي".
وعلى هذا النّحو يكون البيت بريئا لانتفاء الأدلّة.. وأعترف بأنّي خسئت وانهزمت من الجولة الأولى والحرب برمّتها.. وصدق الآخرون ولو كذبوا.
و آن لي الآن أن أستمتع بلحظات هدوء سوف لن يعكّر مزاجي فيها.. وهم على الأرجح أن يكون مزحة أطلقها أثقلهم ضلاّ.
الجمعة الموافق
11-8-1431هـ
23-7-2010م
| الإسم | قصة معبرة تحياتي للكاتب |
| عنوان التعليق | بخيت خليفة |
| قصة جميلة ورائعة ومعناها عميق جدا ، ولخصها الكاتب المبدع في النهاية ، لماذا يعرف الناس عنا أكثر ما نعرف عن أنفسنا ،وهل حقا هناك ما يعرفونه وما نجهلة ؟! البيت رمز معبر عن كل قضية وكل حدث الناس طرفا فيها ، فهكذا عند اختيار العروس وهكذا عند كل مشروع وهكذا عند كل حدث ، الناس الناس الناس ، وهل أفسد الناس الا الناس ، ولذلك القوي جدا هو الذي يعمل الصواب ولو خالفه كل الناس ، للناس مساحة معينه في حياتنا الخاصة لا تعدو عن كونها الاستشارة للاخيار منهم فقط أما الباقون فهم غالبا ما يشتتون ذهنك في كل عمل ، وقد جربت مع نفسي في أكثر من موضوع ، رضا الناس غاية لا تدرك ، كان الله في عون صاحب البيت وتحياتي للكاتب المبدع الذي أثرت كتاباته باب القصة القصيرة |
عودة الى قصة قصيرة
|