|
الطريق الضبابي بقلم/ هبة الله محمد حسن
مساحات ضبابية وظلال باهتة هي كل ما بقى في الذاكرة من تلك الأيام الخوالي البعيدة..
الحقول الخضراء الواسعة ممتدة بلا نهاية..
النسيم الرطب المعبق برائحة عطر مجهول قادم من وراء الأفق..
آه..
كم ينتابني الحنين كلما ذكرت كل هذا..
كفي الصغير يرتعش في كف أبي، وخلفنا كانت تسير أمي مع أخوتي؛ مخلفين حياتنا الجميلة السابقة سائرين نحو المجهول..
ومنذ ذلك الحين لم أعد أرى سوى البنايات الأسمنتية المعتمة، والمساحات الضيقة الخانقة، وأجساد متناحرة.. تقاتل من أجل لا شيء.. كأنها أسراب نمل تعتقد أن أغلى شيء في الوجود هو فتات الخبز الذي تجمعه، موقنة بأهميتها الصارخة.. بينما هي في الحقيقة لا قيمة لها.
كانت الأمور تسير على ما يرام في البداية.. وجد أبي عملا بأجر ممتاز، وكنت أحصل على أي شيء أريده؛ الحلوى، الملابس، ومجلات الأطفال الملونة التي كنت أعشقها.
بدت الحياة رائعة، تسير بسلاسة غير عادية، وبدأ شعور الاختناق والغربة ينزاح تدريجيا.
ثم فجأة أظلم كل شيء..
تغير لون الأفق وتعكر النهر المنساب دون إنذارات سابقة..عاد أبي من الخارج مكتئبا كالح الوجه، دخل غرفته وأغلق الباب.
وقتها لم نفهم السبب.. ولكن بعد ذلك فهمنا كل شيء، وبأقسى طريقة ممكنة؛ بدأت مواردنا تقل حتى انعدمت تقريبا.
وفي لحظة..
صار عليّ أن أعمل في إحدى العيادات الطبية بعد المدرسة.. صرت أغيب من المدرسة كثيرا؛ فقد كنت أعود من العيادة متصلبة الظهر من الجلوس الطويل على المقعد الخشبي خلف الطاولة؛ أسجل الأسماء وأحدق في الوجوه الصامتة الكئيبة الخاوية من المعنى.. ارتمي على الفراش وأغوص على الفور في نوم بلا أحلام.
كان الاستذكار مستحيلا في وقت العمل؛ لذا لم أعد أستذكر تقريبا سوى في أيام العطلات.
أما الشيء الذي كنت أزجي به أوقات العمل الثقيلة هو القراءة.
صرت اقرأ بهستيرية شديدة..أدس الكتاب أسفل الطاولة، وأسافر بعيدا عن هذا العالم الموحش الذي أحيا بين جنباته.
مدن لم أرها؛ أشخاص لم أقابلهم؛ أصبحت الكتب بالنسبة لي مخدرا من الأحلام الصغيرة التي تجعل الحياة محتملة إلى حد ما.
وعندما ينتهي الكتاب أهرع في اليوم التالي إلى مكتبة المدرسة كي أستبدله بآخر على الفور.
انتقلت إلى المدرسة الثانوية ولم تتحسن الأمور؛ على العكس أصبحت أسوأ في البيت والمدرسة.
في المدرسة بالذات ظهرت طبقة جديدة من الفتيات من مستوى اجتماعي مرتفع؛ كائنات براقة غريبة كنت أراقبها بانبهار وقلق.
وماذا أكون أنا مقارنة بهن؟
لاشيء.. مجرد فتاة فقيرة غبية لا تملك شيئا مميزا على الإطلاق.
وبدأ صوت رتيب يدوي في عقلي بلا كلل ولا ممل:
لمَ لا أكون مثلهن؟
آه.. ولكن كيف؟
كانت تلك أولى خطواتي في ذلك "الطريق الضبابي" الذي سرت فيه نحو الهاوية..و........
وامتدت يدي.. للمرة الأولى امتدت يدي؛ كانت ثقيلة حجرية في خطوتها الأولى.
أذكر تماما تلك المرة الأولى؛ كنت أرتعش وأنا أسلم الطبيب النقود, لم يحاول هو عدها.. لأنه اعتاد أمانتي.
جعلتني طريقته أشعر بوخز شديد بداخلي.. كنت أتمنى لو أنه اكتشف الأمر.. لو أنه صرخ في وجهي.. في ضميري الصامت.
لكنه لم يفعل.. تبا له.. لمَ لم يفعل؟.
بمرور الوقت قل الوخز، ولم أعد أشعر بشيء؛ تبلد إحساسي تماما.
فراغ رهيب قفز بداخلي.. صفرت فيه رياح السموم وعوت.
صرت أكتب خواطر كئيبة غريبة مبهمة؛ لا أفهمها أنا شخصيا.. لكنني كنت أشعر بحاجة ملحة لكتابتها في كراستي.. رصت مثل تلك الكلمات:
-1-
أشياء كثيرة تطن في رأسي
الأمس واليوم والغد
أسطورة ثلاثية الأبعاد
تطاردني في صحوي ونومي
-2-
ضباب الروح الكثيف
يبتلع كل شيء
يشوه ملامحي
ويغزو أيامي
-3-
اليوم
هوى شيء غريب
من اللا مكان
حطم هدوءً بداخلي
تناثرت شظاياه
تخز في الروح
خزا عنيفا قاسيا
كنت أتألم دون أن أشعر أنا نفسي بهذا، ولم يلاحظ أحد شيئا؛ اعتقدوا أن هذا الانتعاش الطفيف في حالتي المالية يعود إلى مبالغ بسيطة أقتطعها من مرتبي الضئيل، واحتجزها لنفسي.
الأسوأ بعد ذلك أنني بدأت أشعر بلذة في هذا الإثم؛ بعبقريتي الشديدة التي لم تجعلني أكتشف حتى ذلك الوقت.
صرت أسير في خيلاء في المدرسة رافعة رأسي؛ الآن أستطيع الاختلاط بالأخريات دون أن أخجل لأنهن يستطعن شراء ما لا أستطيعه.
كل هذا بينما ذلك الثقب في روحي ينمو ويزداد اتساعا، ويبتلع كل شيء يزحف على حواسي؛ فيصيبها هي الأخرى بالموات.
كانت هناك ومضات صغيرة تحاول أن تضيء لي الطريق من جديد؛ تحاول أن تنبهني إلى ما غفلت عنه، ولم أنتبه في البداية.
سرقت حقيبتي وشعرت وقتها بطوفان من الغيظ والحنق!!!
لماذا أنا بالذات؟!!!
لم يسرق أحد سواي؟!!
كنت أحدق في الوجوه كلها بشك؛ صديقاتي وزميلاتي.. هذه..ربما هذه.
كانت أياما سيئة، والغريب أنني لم أنتبه برغم كل شيء.
لم أفق إلا على لطمة قوية زعزعتني من مكاني بالمعنى الحرفي، وكان الحادث.. شعرت بشيء يصطدم بجسدي وأنني أطير في الهواء.. أسقط.
ثم أظلم كل شيء.. أفقت لأجد ذراعي الأيسر مكسورا، وساقي اليمنى معلقة والجميع من حولي.
ولمحت وجهه بينهم.. وجه الطبيب تتشابه ملامحه مع ملامح أبي.. لقد كان هو صاحب العيادة التي كنت أعمل بها.
ما الذي أتى به؟!!
أتراه عرف؟!!
كنت خائفة ومشوشة تترنح الصور أمام عيني، لكن كلماته الأولى طمأنتني، وفهمت أنه ما جاء هنا إلا ليزورني.
أثنى عليّ كثيرا وأشاد بأمانتي، وبدأ الوخز القديم الذي كنت أحسه بداخلي يتصاعد من جديد، ويملأ فراغ روحي السقيمة.
وفي تلك اللحظة بالذات بدأت أشعر أنني استعيد نفسي من جديد، وعدت بعد شفائي إلى العمل ثانية.
كان الرجل دمثا ورفض أن يحضر غيري.
وهكذا بدأت أعيد النقود التي أخذتها شيئا فشيئا.. كانت أوضاعي أكثر من سيئة لكنني بدأت أشعر بثقل ينزاح عن صدري وبأنني أخيرا أشعر بالراحة.
ها أنا استعيد وجودي من جديد.. وأعود للحياة بحق من جديد.
بعد ذلك لم يعد علي أن أعمل.. مرض جدي، واستدعى أبي قبل أن يموت وتصالح معه.. وهكذا انتعشت أحوالنا من جديد.
آه.. لو كنت صبرت قليلا من البداية
عزائي الوحيد أن الله أرشدني إلى الطريق قبل أن أسقط في الهاوية
تمت بحمد الله
الجمعة الموافق
18-8-1431هـ
30-7-2010م
| الإسم | إسماعيل أحمد |
| عنوان التعليق | حافظي على التميز |
| منذ قرأت لك أول مرة أثناء المسابقة وأنا أشعر بأن مستقبلا رائعا في عالم الكتابة ينتظرك وكنت أعجب أكثر بقدرتك على ابتكار النسيج الدرامي..
في هذا القصة بهت تميزك في النسيج الدرامي بعض الشيء حتى لمحت ما يشبه الحبكات المألوفة لذلك أطالبك بالحفاظ على لونك المميز وبالتوفيق دائما إن شاء الله |
عودة الى قصة قصيرة
|