|
مرفأ للغياب بقلم/ موسى نجيب موسى
كلما سرت في هذا الشارع يحيرني كثيرا ً التاريخ الذي يحمله (26 يوليو).. مثله مثل تواريخ كثيرة في حياتي لا أعرف مناسبتها!!
- ولكن يريحني المبني العتيق الرابض علي فوهة الشارع والذي يمتلك ناصيتي شارع "رمسيس".. وهذا الشارع المحير.
- أفتش في ذاكرتي عن واقعة معينة أو حدث استطاع أن يخدش جدار الذاكرة.. ولو بخدش بسيط يترك بها علامة ما تميز هذا التاريخ.. لا أجد.
- تسلمني هذه الحيرة إلي الميزان الكبير الذي ينام علي جبين المبني العتيق.. والذي أري كفته اليسري دائما ً تميل كثيرا ً عن اليمني .. ودائما ً أري عليها الشيطان يعانق فتاة حسناء يرقصان في هدوء مميت.
سألت بعض العالمين ببواطن الأمور في بلدنا عن سر هذه الكفة.. وسبب هذا الميل.
- أجاب بأن الفنان الذي قام بتصميمه يعتقد أن العدالة الحقيقية هي من حق السماء وحدها.. ونحن بشر عدالتنا تحتمل الصواب والخطأ.. ومن أجل هذا ترك هذا الميل ليدلل علي قناعته .
ولكن هذا الكلام لم يدخل قناعتي ولم يغير شيئا ًًمما انتويت فعله.
ذلك الذي حرض سلطان النوم علي عدم الاقتراب من منطقة جفوني التي حصنتها ضد قوة هذا الفعل وقوة الفكرة التي دارت بي حتى كدت أهوي.
- ظللت ليال كثيرة يفارق السرير جسدي أفكر في كيفية اختراق هذا المبني ومحاولة تعديل الكفة المائلة التي لم يلحظها أحد سواي.
- بعد عناء لم أجد أمامي أي طريق سوي التسلل ليلا وتنفيذ ما أريد.
هناك في الهزيع الثالث من الليل وقبل أن ينطلق صوت المؤذن شارخا ً ليل القاهرة بوقت كاف.. وبعد أن هدأت الحركة تماما ً ولم يتبق سوي أنوار الشارع وبعض الساقطات اللائي يقبعن أمام بارات وسط البلد.. ليمارسن هوايتهن في اصطياد الزبائن المغيبين عن كل شيء.. إلا هن ويقمن بممارسة هذه الهواية في حراسة ذلك الميزان المائل.. وتبقي أيضا أضواء قليلة وأصوات نفير السيارات الشاردة التي لا تعرف لعجلاتها طريقا أو هوية.
- أخذت أحوم حول المبني حتى أعرف عدد قوة الحراسة وطريقة التناوب ونوع الأسلحة التي يحملونها.. لم أجد سوي خفير واحد فقط يحمل بندقية قديمة ذات فوهتين ورقم قديم مكتوب باللون الأبيض علي كعبها ممسوح معظمه.
- بعد أن انتهي الخفير من إعداد راكية النار وضع عليها براد الشاي وسحب الجوزة المركونة بجواره وأخذ يعتني بها.. وبين حين وآخر ينكفيء علي راكية النار حتى يمد جسده النحيل ببعض الدفء من لسعات برد يناير القارصة.
- وبعد أن فرغ الخفير من شرب الشاي بنغمات اعتدت سماعها من عمدة بلدنا عندما يستدعينا لأمر هام .. يتعلق بأحوال البلدة علي اعتبار أننا علي حد قوله "متعلمين ومتنورين".. وكذلك بعد أن فرغ من حجر المعسل الذي صاحب أنفاسه المتوالية سعال متقطع عال كان يخرج من صدر الخفير .. مصحوبا ببلغم كان يقذفه تجاهي دون أن يراني.
- وجدته يستسلم لغفوات متقطعة يرخي فيها جفونه تماما ً وتمتد إلي حد سماع صوت شخيره الذي يقطعه "كلاكسات" السيارات الشاردة أو صوت قوي لاحتكاك عجلات إحدى السيارات.. كادت تدهس كلبا ضالا حاول عبور الطريق مابين غفوة وصحوة.
- تسللت إلي داخل المبني مباشرة.. روعني منظر الردهات الفسيحة والممرات الطويلة والسلالم الدائرية الفخمة.
لم أشأ أن أضيع وقتا ً فقفزت علي السلالم بسرعة حتى وصلت إلي الطابق الثاني .. وسرت في الردهة الطويلة فهاجمت أنفي رائحة عطنة استفزت مارد الفضول الكامن بداخلي .. فتتبعتها حتى وصلت إلي غرفة تقع في نهاية صف طويل من الغرف التي تملأ الردهة.. فتحتها بصعوبة بعد أن قاومني قليلاً قفلها القديم.
- وجدتني أمام كتب ضخمة للقانون والتشريعات والأحكام.. تلك الكتب العمياء التي حكمت علي َّ ذات مرة وأنا البريء بقضاء عشر سنوات كاملة وسط الأحجار والرمال ومنتهكي أمن المجتمع وسلامته.
- تلك الكتب التي أصبحت لا أحبها مطلقا ً ولا أطيقها.. وكثيرا ً ما حاول صديقي " سميح" طالب الحقوق أن يبسطها لي ويعطيني مبررا ً قانونيا للحكم الذي صدر ضدي .. لكني كرهته هو الآخر مثله مثل تلك الكتب المهترئة.
قفز إلي ذهني سؤال جعلني أهمس بيني وبين نفسي في ضجر:
أين أنت الآن يا "سميح" ؟
- لم أدع السؤال يشغلني عن هدفي الأساسي الذي من أجله جئت إلي هذا المكان الموحش.
أغلقت الحجرة وتوجهت إلي سطح المبني.. لم أعبأ بالملفات الكثيرة المتناثرة هنا وهناك أو بالأوراق الممزقة التي يغرق بها السطح كله.. بل توجهت إلي حافة المبني التي يوجد أسفلها الميزان.. فقفزت إلي أعلي وأدرت جسدي إلي الناحية الأخرى حتى أصبحت علي مسافة قريبة جدا ً من مرادي.
- وضعت قدمي علي إحدى النتوءات التي تزين واجهة المبني.. وأمسكت بيدي اليمني الحافة وأخذت أميل قليلا ً قليلا ً بجسدي البدين حتى لامست يدي الأخرى كفة الميزان المائلة وعندما هممت بإعادتها لوضعها الطبيعي انزلقت قدماي وسقطت بجوار الخفير تماما ً.
- الغريب أنه لم يفزع أو يهرول كمن اعتاد أن يري مثل هذا المنظر كثيرا.. تأملني قليلا ثم ذهب بهدوء إلي أحد الخارجين علي القانون والذي يجلس دائما في مقهى مجاور للمبني العتيق وقايضه علي رصاصة لبندقيته الصدئة مقابل تركه وشأنه وعاد إلي حيث جثتي غارقة في دمائها وفرغ الرصاصة في صدري.
- بعدها أخذ نفسا ً عميقا ً وجلس يعد كوبا ً جديدا ً من الشاي مع تجهيز تعميرة (تعدل دماغه) التي قلبتها له بفعلتي هذه. تمت
شكر وترحيب
بقلم/ خلف عبد الرءوف المحامى
الكاتب والأديب المتميز موسى نجيب من أبناء مركز مطاى محافظة المنيا.. يعد من كتاب القصة البارزين خلال العقدين الأخيرين.
- حصل على العديد من الجوائز الأدبية وطبعت له عدة مجموعات قصصية.. وله نشاط بارز وحضور لا ينكر في الأوساط الأدبية.. وهو محل تقدير وثناء من النقاد والدارسين لفن القصة.
- وموسى نجيب من خلال قصصه يقدم رؤية نقدية للواقع من حوله .. معتمدا ً على التفاصيل الصغيرة .. دونما التعرض للكليات .. لكنه ومن خلال هذه الجزيئات التي تبدو كأمثلة صغيرة يضعنا وجها لوجه أمام الحقائق الكبرى والقضايا الكلية.
- وهو بارع في استخدام الرمز دونما إغراق أو إبهام.. يستخدم المفردات السهلة ولا يميل للإكثار من استخدام جماليات الصيغ البلاغية التى تضفى جمالا ً ورونقا ً على العبارة.. يزين المعنى ويجمله.. فلغته أقرب لما يسمى بلغة الصحافة ، لكنه يعوض ذلك بالبراعة الفائقة في الوصول بالقارئ إلى أعماق غائرة في مغازيها.. دونما تكلف أو مشقة .
وقد تعرفت على الأستاذ موسى نجيب منذ فترة قريبة.. وسعدت كثيرا ً عندما أرسل لي مجموعة من أعماله لنشرها على موقع الجماعة الإسلامية .
- فمرحبا بالأستاذ الكبير والأديب اللامع موسى نجيب ضمن أسرة كتاب القصة بالموقع .
وكل التحية والتقدير له قاصا ً مبدعا ً.. وصديقا أعتز بصداقته .
الأربعاء الموافق
4-7-1431هـ
16-6-2010م
| الإسم | ابوخلاد هشام فتحي |
| عنوان التعليق | بلدياتي |
| منور الموقع يا دكتور موسى وطبعا الاديب موسى من مركزنا مركز مطاي وهو ممن تعلمت منهم كثيرا حتى في كتابة الشعر . الرجل له حس نقدي يفوق الخيال . وانا ادعوه الى نشر قصة "العم امين " والتي كتبتها الامورة مريم بنته . كل التحية والتقدير للاديب المبدع الدكتور موسى . ولا انسى صديقنا الثالث الشاعر رافت السنوسي من نفس مركز مطاي وغالبا ما كنا نتقابل في المنتديات بقصور الثقافة . مرة اخرى اهلا وسهلا بك دكتور موسى وسلامي لمريم ويوسف . وفي انتظار المزيد وبلغ تحياتي لشاعرنا رافت السنوسي
والشكر موصول للاستاذ خلف المحامي حيث انه صاحب فكرة استضافة الاديب موسى نجيب
ابو خلاد هشام فتحي
مطاي |
| الإسم | اديب قديم |
| عنوان التعليق | أول اديب قبطي على موقع الجماعة الاسلامية |
| للعلم الكاتب موسى نجيب من الكتاب المميزين فكرة واسلوبا . وهو اول اديب قبطي يستضيفه الموقع تحية له ولجرأته الجميلة والى الامام وننتظر المزيد |
| الإسم | خلف عبد الرؤف المحامى |
| عنوان التعليق | توضيح |
| عندما قلت أن الاستاذ موسى نجيب (يستخدم المفردات السهلة ولا يميل للإكثار من استخدام جماليات الصيغ البلاغية التى تضفى جمالا ً ورونقا ً على العبارة.. يزين المعنى ويجمله.. فلغته أقرب لما يسمى بلغة الصحافة )
فهم البعض أننى أتهم كتاباته بالسطحية ولغته بأنها لغة تقريرية وليست فنية ، ولم يكن هذا مقصدى ولكننى قصدت أن مفرداته سهلة بسيطة يفهمها القارئ من غير عناء ، لقد أردت الثناء على أسلوبه بأنه السهل الممتنع وليس أنه سطحى أو غير فنى .
فوجب التوضيح |
عودة الى قصة قصيرة
|