|
إليه المصير
بقلم أ. ابو بكر عثمان
دخل يغشاه التعب , الى جناحه الخاص بالقصر وخلفه رئيس خدمه ومساعدوه , لكل مهمته هذا يلتقط حذائه و وذاك يأخذ حقيبته منهم من يساعده فى خلع ملابسه , وآخر يحضر له ثياب النوم .
انصرفوا جميعا وبقى كبير الخدم واقفا أمامه كالتمثال
-أنا فى غاية التعب , ولو بعث ابى من قبره لا توقظنى . لا أريد ان اسمع دبيب نملة , أتسمع ؟
- نعم نعم يا باشا , رهن أمرك سأفعل .
انصرف رئيس الخدم بعد أن بسط عليه الغطاء , أغلق هاتفه كى لا يزعجه احد ومد جسده على السرير . يا لها من ليلة ثقيلة على النفس , مع هؤلاء النتانى , ما ابغضهم الى قلبه , وما أثقل الجلوس معهم على نفسه , ولكن مرغم أخاك لا بطل .
يا لها من ليلة مثقلة بالتملق والرياء والزيف والمباهاة والخداع .
دعاهم الى فندق خمسة نجوم وحشد لهم مائدة عامرة بشتى انواع اللحوم والطيور والأسماك والفاكهة والحلوى , وكذا المشروبات الحلال وغير الحلال , طعام يكفى خمسمائة , وهم بالكاد عشرة انفس , أطباق تغدو واطباق تروح , لا يكاد يمسسها احد , هى تقاليد وطقوس تلك الثلة البائسة توضع امامها اطباق الطعام وترفع فتعرض عنها , لا يؤكل منها سوى النذر اليسير , مظهرة الترفع وشموخ النفس الكاذب . ثم تلقى هذه الأطعمة الفاخرة فى مقلب الزبالة .
أنفق خمسين ألفا على الدعوة تلك , لكنه عقد صفقات بخمسين مليونا , اخذ بشماله مائة ضعف ما بدده بيمينه , تذكر اباه المليونير وترحم عليه بنا تجارته على الصدق والأمانة والوفاء , تلك القيم المنقرضة فى عالم رجال أعمال اليوم , انه عالم الدينصورات والحيتان المفترسة والأسماك المتوحشة , فالبحث عن رجل أعمال صادق أمين وفى فى يومنا هذا كمن يبحث عن عملة معدنية سقطت منه فى قاع المحيط .
فى سنوات معدودة بعد موت ابيه قفز بثروته قفزات عملاقة فأضحى ملياردير يشار له بالبنان , بكل الطرق كون ثروته بعد ان طلق قيم ابيه طلقة بائنة , تبسم فى سخرية , هب أنه احتفظ بقيم أبيه إذن لظل الى يومنا هذا المليونير المجهول ذا الملايين المعدودة , وربما ابتلعته الحيتان أو دهسته الديناصورات تحت اقدامها , فالكبير اليوم يبتلع الصغير ما أمكنه والقوى يسحق الضعيف ما ستطاع . هو قانون غاب رجال الاعمال , كل يريد ان يأكل الشاه ويستحوذ عليها بمفرده , يبتلعها بلحمها وعظمها وجلدها ولا يدع لأحد منها شيئاً لو استطاع .
لم يستطع أن ينام فى ليلته هذه ككل ليلة , ينهشه الخوف والقلق ويخنقه الأرق , منذ تضاعفت ثروته وهو لا يشعر بالأمان , يخشى ان تدور عليه الدوائر , رحلت الأمانة وأخذت معها الأمان وهجم الخوف والقلق فيمكن أن تطعن بخنجر من الخلف فى اى وقت من الصديق قبل العدو , ضاعت الأمانة وضاع والوفاء حتى يقال تعالوا انظروا هناك رجل صادق وفى أمين .
فى سنواته الأخيرة ملأه الظمأ , الظمأ الى المزيد و المزيد من الملايين والبلايين , مئات الملايين لم تشبعه بعد هو دوما يشعر أنه فقير .
وكلما جمع المزيد زاده فقرا على فقر . وشعر بالظمأ الى المزيد , ربما لو جمع له مال البلاد كلها لقال هل من مزيد , هو يحسد بواب قصره الذى هو أغنى منه فى الحقيقة , فكلما نظر فى عينيي البواب رأى الرضا والقناعة , رأى الغنى الذى يفتقده , فى أيام أبيه الخوالي كان ينام قرير العين تملأ نفسه الطمأنينة والأمان كان يشعر بحق أنه غنى ولكن من يستطيع اليوم ان يسبح خلاف التيار , ما هو عليه اليوم مبادئ ومنهج وقانون يمضى عليه جل رجال الأعمال الا من رحم .
أضناه الفكر والسهر فنام ثم استيقظ بعيد آذن العصر وضغط على الجرس فجاءه كبير الخدم مهرولا .
- طوع أمرك يا باشا , أعددنا لك الحمام .
- هل من جديد ؟
- ألح على سكرتير حضرتكم لإيقاظك لكننى أبيت , حسب أوامر سعادتك .
- وماذا لديه ليوقظنى ؟!
- مات عزوز باشا بركات
انتفض من نومه
- متى ؟
- صباح اليوم , والآن يشيع جثمانه
أحمر وجهه وارتعش جسده من شدة الغضب وصفعه على وجهه وركلة ركلة كادت تسقطه لقفاه .
- يا ابن ..... يا حمار , لما لم توقظني ؟
- سعادتك يا باشا قلت لا توقظني ولو بعث أبى من قبره
- يا أحمق يا غبى , عزوز باشا أهم عندى من أبى و أمى والناس أجمعين
ارتدى ثيابه فى عجلة وخرج مسرعا من القصر لم ينتظر قدوم سائقه بل قفز فى أول سيارة أجرة وقفت أمامه عساه يدرك الجنازة , ماذا لو علم اولاد عزوز باشا أنه تأخر عن الجنازة , وربما وشى به الوشاة , إذن لضاع وأمسى خبرا بعد عين , ولما لا وعزوز باشا بركات يملك ويدير نصف اقتصاد البلاد , فقصره قبلة السلطات جميعا لا يخلوا كل ليلة من وزراء وقضاه وأعضاء برلمان وإعلاميين فضلا عن صفوة رجال أعمال البلد , حاول مرارا ان يدخل قصر عزوز باشا ولو لمرة فلم يفلح , منذ شهور يريد أن يأخذ ميعادا للقاء عزوز باشا دون طائل .
بنى خططه لدخول عالم الديناصورات عن طريق عزوز باشا الديناصور الأكبر , بل هو ملك الديناصورات.
وكبير خدمه الاحمق كاد يضيع منه لحظة ذهبية للتقرب من اولاد عزوز باشا , فرصة لربما لن يجود الزمان بمثلها.
نزل من السيارة وانطلق يعدوا بين المقابر حتى وصل الى أطراف الجنازة , ولما عرفوا انه الملياردير , أذنوا له بالمرور خلال الطوق الأمنى المحيط بأولاد عزوز باشا وكبار رجال الدولة وصفوة رجال الأعمال , شق طريقه بصعوبة ليصل الى أولاد عزوز باشا , حاول ان يفتعل الدموع والبكاء دون جدوى , فتذكر ابنه الذى مات فى حادث سيارة , فسالت عيناه بالدموع وأجهش بالبكاء التفت اليه الحضور مندهشين من أمره , فلم يدمع أو يبكى اى من أقارب عزوز باشا أو أبنائه , الذى اقترب منه أحدهم فربت على كتفه حتى سكن . أخرج منديله ومسح الدموع ونظر الى المقبرة أمامه كأنها قصر صغير , آية فى الزخرفة والفخامة , قيل أنهم انفقوا عليها ما يزيد عن عشرين مليونا , واحضروا مهندس معمارى من أوربا , وكسيت بأفخم الرخام المستورد من ايطاليا , ولن أحكى لك عن وصفها من الداخل كأنها جناح ملكى , لا مقبرة لدفن ميت يمسى عما قليل عظاما نخرة .
انزل النعش من العربة , فاندفع ليحمل مع الحاملين وليوضع النعش أمام المقبرة المفتوحة , وحين نظر الى رفات عزوز باشا الممدد فى كفنه الأبيض ولد لديه شعور غامض هو أقرب ما يكون الى الدوار النفسى , لم يتوقع , ان يرى عزوز باشا بكل سلطته وسطوته ممددا أمامه ملفوفا بقطعة قماش بيضاء .
لكزه احدهم فحمل الرفات معهم بيد مرتعشة وفلب يخفق بشدة ولما نزل الى المقبرة وضعوا جثمان عزوز على الأرض , غشيته الرهبة نظر حوله فلم يجد شيئا , المقبرة خالية تماما الا من الجثمان الممدد على الأرض , جذبه احدهم من يده الى الخارج , وأقفلت المقبرة على عزوز باشا ووقف هو على المقبرة شاردا حائرا تائها , هالته تلك النقلة الجسيمة التى انتقل إليها عزوز باشا , فبعد ان كان ملأ السمع والبصر , كان بنصف كلمة , وأدنى إشارة يغير أمورا ويبدل أمورا , فإذا هو اليوم ملق على التراب وحيدا فى مقبرة مظلمة محكمة الإغلاق عليه , لا رفيق ولا انيس , كلهم ذهبوا وتركوه , لا ولد بقى ولا صاحب ولا حتى خادمه يقبل ان يبقى معه , ذهب عنه المال والولد والصاحب والجاه والسلطان , كلهم تركوه , ذهبوا وتركوه وحيدا فى وحشته .
خرج من المقبرة فتلقاه الابن الأكبر لعزوز باشا وصافحه بحرارة .
- أأنت صديق قديم للباشا رحمه الله ؟
- بل أكثر انا عزوز باشا نفسه
تأثر بكلامه وظن أنه صديق قديم وفى لأبيه الباشا
- تسرنا زيارتك لنا
لم يأبه لكلامه ومضى خارجا من المقابر فتلقاه سائقه والسكرتير وتحدثا إليه فى امور شتى فما هو بسامع ولا مجيب بل ألقى بجسده فى جوف سيارته حين انتهى إليها ولزم الصمت الى ان وصل الى قصره.
أبى النوم ان يمسسه او ان يقرب جفونه تلك الليلة وظل عزوز باشا بكفنه الأبيض واقفا له بالمرصاد , ترى ماذا يفعل عزوز باشا الآن فى قبره ؟ وماذا يفعل به ؟
ماذا يقول ؟ وماذا يقال له ؟
ماذا يقول عن آلآف الأطنان من المبيدات الزراعية المسرطنة التى غمر بها البلاد , ماذا عن مئات الآف من أطنان القمح واللحوم والزيوت غير الصالحة للاستخدام الآدمى التى سكنت فى بطون ودماء الناس , فأثمرت مئات ألالاف من مرضى السرطان والكبد والفشل الكلوي , هل يواجه عزوز باشا الآن الآلاف الذين ماتوا بعللهم , ماذا عن وعن وعن ..........
طابور طويل من الأسئلة تنتظر عزوز باشا ربما تلقى عليه الان
انتصف الليل ولم ينم بعد فارتدى ثيابه وهاتف سائقه فحضر على الفور .
- تحت أمرك يا باشا
- زيارة هامة أود ان اقوم بها الآن
- الى اين يا باشا ؟
- المقابر
وصلت السيارة الى المقابر وتوجه الى قبر ابيه ووقف عنده يبكى كطفل صغير وقال بصوت يغلبه البكاء
- أبتاه ترى من منا على حق ؟!!!
| الإسم | سماح |
| عنوان التعليق | يامسلمون |
| جزاكم الله خيرا أخى الكريم على هذه القصة الرائعة وأيناكم يامسلمون ألا تتعظون |
عودة الى قصة قصيرة
|